Translate

‏إظهار الرسائل ذات التسميات قراءات نقدية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قراءات نقدية. إظهار كافة الرسائل

مكامن و أبعاد العجائبي في ” أسطورة سنجابي” بقلم : د. محمد بشير بويجرة - الجزائر



مكامن و أبعاد العجائبي في ” أسطورة سنجابي ” للكاتب



للكاتبة الجزائرية : تركية لوصيف



بقلم 

  د. محمد بشير بويجرة  -  الجزائر

لقد جزمت المنظومة النقدية على أن النص المبدع، كيف ما كان جنسه الفني، لا يبتدع من فراغ و من عدم، بل ضرورة تشكل جيناته الأولى نجدها تنغرس في عمق ذلك المنتجع الكبير من الرؤى و الأفكار و من القلاقل الموحية/ المتخيلة في مناحات كينونة مبدعه. و لعل ذلك ما جعل المبدعات الفنية بجميع أجناسها تأبى الترادف والاتباع و التشابه.

كما أكد نقاد هذه الحقول الفنية و المعرفية والجمالية على أن مبدعيها يجتهدون أبدا في جمع أشتات ما علق في وجدانهم و حول حواشي معيشهم المبهرو المتميز في كل شيء ليحوموا حوله بالنبش و بالمشاكسة قصد الكشف عن مكوانت تشكلات ما يبهر و ما يعجز عن الفهم ثم عن التغابن تخييلا. و وفق هذه الإحالات اختلف الدارسون و النقاد حول الكشف عن كنه الدوافع و الغرائز لتلك المبدعات.

و تحت مجهر هاتين الزاويتين وجدتني أقرأ نص ” أسطورة سنجاني” للإعلامية الأديبة ” تركية لوصيف” الصادرة عن ” دار تديلكت ” في السداسي الثاني سنة 2016. و هو نص يبدأ بالفقرة التالية: ” الوقت ليل، و الملك الذي بلغ من الكبر عتيا يترقب عودة ابنه قائد الجنود من المعركة..ص 6″ وينتهي بالفقرة القائلة: “..واختفينا عن الأنظار و أنا أفكر في العودة مجددا للبحث عن والدتي…..ص48”.

و بدء، ألمح إلى أن النص قد اجتهدت كاتبته في صبه ضمن القصص المخصص للأطفال من أول فقرة إلى آخر فقراته، سواء من حيث التأثيث السردي في الشخصيات أو في الأحداث، حين أسبغت على العنصرين معا كثيرا من العجائبية و السحرية إن في الأفعال و السلوكات أو في البنى الشكلية المادية/السميولوجية. و ذلك ما يجعلني أقترح أن يقرأ النص في شقيه؛ الطفولي بكل ما يحمله من خصائص و مميزات تناسب هذه الفئة القارئة، كما لا أجد مانعا في أن يقرأ النص قراءة رمزية يمكن الإفادة منها لدى الكبار.

أ ـ مكونات التأثيث السردي العجائبي الطفولي:

إن أولى بصمات هذه المكونات نجدها تتجلى في لوحة الغلاف التي يظهر فيها “سنجاب” ضخم في حالة غضب والاحمرار يلفه من كل جانب أمام قلعة ذات معمار قديم جدا تشرف على شط من البحر في حالة هيجان، مع الإغراق في استعمال الألوان؛ الأسود و البارودي و البني التي تنبئ كأن هناك انفجار قد وقع فعلا أو سيقع بعد حين. هذه البنيات و الرسومات و الألوان كلها التي توحي بصورة مخيفة و مرعبة ستتأثر بها، بدون شك، ذائقة الطفل من أول نظرة/ من صورة غلاف النص.

و حين نبدأ في دخول عوالم النص عبر إلماحاته العجائبية نقع على مجموع الشخصيات ذات المكونات و الأبعاد الأسطورية المتمثلة في :ـ

ـ الملك الكبير السن العادل و المحب للخير و الذي تكرهه الشيطانة حتى وفرت كل قوتها و شرارها لمحاربته.

ـ الشيطانة/ فوستيكا و ما يتبعها من رذائل الناس/ الحاكم المزيف و ابنه و التي كان همها الأول القضاء على الملك و السيطرة على القلعة.

ـ الأمير/ و لي العهد ” بشامروكا/ سنجابي” و الذي يتحول إلى سنجاب ضخم عند الشعور بالخطر.

ـ توتو؛ التي شكلت سندا قويا لـ “بشامروكا/سنجابي”.

ـ العصفور الأبيض الطائر.

و هي الشخصيات الرئيسية في تأثيث أحداث “اسطورة سنجابي” التي تتلخص في أن هناك ” قلعة ” كان يعيش سكانها في أمن و اطمئنان و في سعادة حتى تسلطت عليهم الشياطين بقيادة ” الشيطانة/فوستيكا ” التي آلت على نفسها أن تأخذ ملك القلعة من “ملكها / حاكمها ” الأصلي، فنشبت بينهما معارك حتى انتصرت، فسارعت إلى نفي الملك الأصلي للقلعة إلى مكان قصي مجهول، ثم ألقت بقائد القلعة، ابن الملك، مع زوجته الحامل بـ “بشامروكا” في إحدى الغابات الكثيفة حيث كان هناك صياد سمك، ثم فجأة يهجم عليهم دب ضخم فيفترس القائد و تنجوا زوجته مع حملها. و تمر الأيام فتتكون علاقة عاطفية بين المكنى سنجابي ” بشامروكا” و بين فتاة جميلة “توتو” و تتعقد جهودهم حول البحث عن الجد، الملك الأصلي للقلعة، و خلال هذا البحث تتآزر مجموعة من الأنساق السردية و التأثيثات الجمالية للنص ممثلة في تداخل الأزمنة/الماضي و الحاضر و المستقبل، و كذا في تناصية مجموعة كبيرة من الفضاءات المكانية مثل “وادي الموت” و “مكان يسوده الظلام” و ” قلعة قديمة” و ” أراضي الشمس” و ” الواحة السابعة” وكثبان الرمال في الصحراء” و غيرها الكثير.

و على هذا المنوال تتداخل الوقائع السردية تحت سطوة مخيال/ و تخييل جدير بأن يعطي للنص نكهة خاصة في العوالم التخييلية للأطفال، حتى نصل إلى نهاية ينتصر فيها ” بشامروكا و توتو” على كل مخططات الشيطانة و معاونيها حين ينجحا في العثور على المكان المحبوس فيه الملك فيخرجانه و يداويانه حتى يعود لقوته القتالية فيقاتل ابن الحاكم المزيف و ينتصر عليه.

= الحمولة العجائبية في النص:

إن النص متخم، ربما حتى المبالغة، في رسم معالم العجائبي/ التخييلي مما قد يساعد القارئ على إنتاج الفكرة، أو الأفكار، التي يستلها بنفسه تحت إلحاح مكونات غرائزه التخييلية، و بخاصة لدى فئة الأطفال، و لقد مست الصيغ العجائبية كل المكونات السردية مثل:

1ـ الشخصيات العجائبية في النص مثل “الشيطانة/ فوستيكا التي كانت تتحول إلى اشكال غريبة كاللهب الحارق و الطيران و القوة على الرمي و القذف و غيرها من الأعمال و الحركات التي يعجز الإنسان العادي أن يفعلها. ثم تليها شخصية ” بشامروكا/المسمى سنجابي” الذي كان يتحول إلى سنجاب ضخم عند الشعور بالخطر فيطير حاملا فوقه الفتاة “توتو”، ثم يأتي الطائر الأبيض الذي يطير بـ “توتو” إلى مسافات بعيدة عند الضرورة مثل جلب “أنواع الثوم” من فلسطين.

2ـ عجائبية الفضاءات؛ الأمكنة و الأزمنة:

و هي كثيرة جدا و متعددة مثل الأمكنة المظلمة بداية بالقلعة و دهاليزها، ثم الشعاب و الوديان و الصحارى و ظلمات الليالي و الجبال الشاهقات؛ مشجرة و قاحلة، الواحة السابعة، الشمس الحارقة، قلعة الشر، و غيرها كثير. ثم ذلك التعدد و التقاطع العجيب في الأزمنة حين نقرأ بين الفينة و الأخرى ” كانت الشيطانة تتحدث عن الشر عبر الزمن..ص35″ “..مر وقت طويل..ص20 “، “..لحملهما إلى زمن المستقبل..ص 10، “..الزمن الحالي..ص11″، “..فتحة تطل على الزمن بصورة ضبابية..ص 11″، “..و أنا أبعدت إلى زمن غير زمني..ص 28″، “..سأسافر إلى زمن المستقبل..ص 9”.

3 ـ عجائبية الأحداث/الآفعال:

و هي كثيرة و متعددة أيضا و بخاصة من “فوستيكا” التي كانت تظهر على طبيعتها المقرفة ، فتزلزل الجبل و تجعله كتلة نارية متوهجة..ص9″، “..تحدى الحاكم لها استفزها، فحملته في لمح البصر إلى أقاصي الصحراء و توغلت به في العمق، ثم خرجت تنتفض وطارت في الفضاء…ص9”.

و ردا على تصرفات الشيطانة العجيبة و الغريبة نجد “بشوماركا” أيضا عند ما “…رغب في تحطيم قلعة الشر فأكل لب الجوزة و تحول و قفز في النهرو كان هائجا جدا، فضرب الزورق بذيله فتعالى في السماء ثم هوى من جديد في عمق النهر العميق فهلك من به و قام بقطع الحبال بسنه البارز، و كان يقتلع القلعة من أساسها و يدفعها بداخل النهر العميق…ثم توقف العملاق أمامي فشعرت بالرهبة ثم حملني بيده و وضعني على ظهره فتشبثت بشعره الكثيف و راح ينط و ينط على جناح السرعة إلى الواحة السابعة..ص 36”.

و زيادة على هذه السلوكات و الأفعال الخارقة للعادة و المنافية للمعقول يجد قارئ “أسطورة سنجانبي” حيوانات مفترسة تفتك بالإنسان دون رحمة و لا شفقة مثل ذلك الدب الضخم الذي “..وثب فجأة على الأب و قطعه إلى أشلاء متناثرة..ص13″. ” و غير ذلك من الصور و البناءات المتسمة بالعجائبية و الغرائبية. مما يزيد في إغراق النص داخل منعرجات الخريطة التخييلية للقارئ.

ب ـ الأبعاد الرمزية لمكونات الحال/ للقارئ الكبير:

يبدوا من خلال كل مكونات البنية السردية لـ ” أسطورة سنجابي” أنه مبدع لفئة القراء من الأطفال و فق بعض ما أشرنا إليه باختصار، لكن ذلك لا يمنع من أن الفئة القارئة في عمومها قد تجد فيه كثيرا من الإحالات الرامزة إلى معاينة الحال و الوضع العام في العالم كله و في العالمين العربي و الإسلامي على وجه الخصوص، و ذلك حين رمزت الكاتبة إلى كل ذلك بتناصية الفقرتين القائلتين: “..جبال الطاسيلي الشاهقة أين تقع قلعة المحبة أهلها طيبون و رعاة، بيوتهم تنتشر هنا و هناك ، و جلبة الماعز و ضحكات الأطفال و جموع النساء العائدات بجرار الماء الطينية و المزركشة بألوان الحياة، سمات الحياة اليومية…تعود الملك قضاء وقته في تلك الجبال ، يستيقظ باكرا و يمتطي فرسه، و يحمل القوس على كتفيه لاصطياد الطيور الجارحة و يعود بها إلى القلعة، و يضمد جراحها و يدعوا أطفال الرعية لحضور إطلاقها مجددا في الفضاء و يقول: نحن شعب شجاع و حر، فيردد الأطفال هذه الجملة من بعده…و كانت الصقور و النسور ترفرف و ترفرف ثم تعود و تحط على كتفي الملك… ص 8″.

إن تتابعية النسق السردي لهذه الفقرة التي تمثل امتدادا للنص في عمومه كأنه يفيد رمزيا، الإحالة على أن ” القلعة ” التي تريد أن تحطمها “الشيطانة” هي الجزائر باعتبارها فضاء محبوبا/ و مغر تكالبت عليه و ما زالت تعمل على تحطيمه قوى الشر و الظلم و الطغيان بداية من سنة 1830 إلى محاولة عزل الصحراء عن الجزائر في محادثات “إفيان” و مرورا على سنين الجمر و على أحداث “تيقنتورين” و وصولا إلى ما يحاك الآن ضد الجزائر في منطقة الساحل.

و مما يؤكد ذلك نجد تضمين النص لكثير من الإحالات التي تفيد ذلك مثل:ـ

ـ الفقرة التي تقول: “..قدم من بلاد أفريقيا فتى و فتاة لهما حكمة الخلود، فعلى كل أي شخص يرفض الموت أن يدفع صندوقا من القطع الذهبية. انتشر الخبر بين الناس..ص 39”. طبعا يمكن حمل الفقرة على الإيحاء و على الرمزية بإخراج الموت عن دلالته المتعارف عليها إلى دلالة إيحائية و هي “الخلود بالأفعال و بالمواقف الخالدة مثل تلك التي تأتيها الجزائر دائما خلال تاريخها الماجد و هي تنتمي إلى العمق الأفريقي و بخاصة في المدة الأخيرة.

ـ الفقرة التي تقول: ..ثم تسلق سنجابي إحدى النخلات و رمى بعرجون من التمر الذي يسيل منه العسل، فاستعدنا طاقتنا سريعا و قال هذا التمر اسمه دقلة نور تعرف به الجزائر دون سواها..ص 37”.

أما الفقرة الثالثة التي نجدها في لقطة سفر “توتو” على “العصفور الأبيض” إلى “فلسطين” لجلب “ستين نوعا من الثوم” من أجل معالجة عضة وبائية لـ ” بشامروكا ” من طرف جرذ ضخم، حين تقول الفقرة: “..حط عصفوري على مرتفع “نابلس” لنرتاح قليلا، و أمتع ناظري بجمال الطبيعية الفلسطينية…ص 41″، فهي تؤكد على أن هناك علاقة سرمدية مقدسة بين الجزائر و بين فلسطين، الجزائر التي قال أحد رؤسائها: “..نحن فلسطين ظالمة أو مظلومة..” و التي ما زالت الجزائر البلد الوحيد الذي يصرح و ينافح عن فلسطين.

من خلال هذه الفقرات و غيرها يبدوا لي أنه يسهل على كل قارئ أن يستخرج الأبعاد الرمزية لحالة وضع الجزائر عبر المراحل التاريخية؛ وضع تكالبت عليه قوى الشر و الحقد إما من الشياطين في كراهتهم لكل ما يمت للإنسانية بخير أو من خدامهم مثل ” الحاكم الذي سيدته الشيطانة على القلعة” بعد طرد ملكها الأصلي. كما أجد في الفقرة التي قالتها “توتو” قبيل مبارزة ابن الحاكم الزائف للقلعة التي تمثل “الوطن” لـ ” جد ” بشامروكا/ ولي عهد القلعة : “..إن الحاكم يناشد الخلود، و قد جئنا من بلاد أفريقيا، حيث لايموت بها حاكم، و لكي يتحقق له هذا عليه مبارزة هذا الرجل العجوز فحسب…ص 44”. إن تأكيد وجود الخلود في أفريقيا حسب الفقرة ليس اعتباطيا، بل يمثل حقيقة تاريخية حين ظلت أفريقيا بثرواتها و بشبابها تمنح الحياة و الاقتصاد لكل الأنظمة الاستعمارية الغربية حتى الآن؛ بمعنى أفريقيا تمنحها استمرار الحياة و دوام التألق على حساب إفقار شعبها و حرق أراضيها.

مما لاشك فيه، أن ورود كل هذه التأثيثات المتنوعة ضمن النسق السردي للكاتبة، و هي إعلامية متميزة، لم تؤتها هكذا اعتباطا، بل أرجح بقوة أن تكون حمالة لجملة من الرسائل الدقيقة و المحددة جدا لقواعد نشر الثقافة الوطنية ضمن ذاكرة الوطن الجزائري الثرية و المتنوعة للقارئ بنوعيه؛ الأطفال بصيغة الفقرة الأولى و الكبار في الصيغة الثانية.

و وفق كل ذلك يمكن أن تحيل كلمة “القلعة” إلى الجزائر، و الملك إلى “الوعي الوطني” الذي حاول المستدمرون نفيه و إبعاده عن أرض الجزائر، لكنه رغم كل ذلك كان يخرج “بشاموركا و توتو” من بين الأدغال و من العدم ليعيدانه و يثبتانه في وطنه الجزائر.

و أجد كل ذلك ينسجم مع الحمولة الأيديولوجية التي تحملها و تؤمن بها الكاتبة “تركية لوصيف”؛ أيديولوجية التي وجدتها مبثوثة في كل ما تكتب و في ما تبدع مخصص بالدرجة الأولى للطفل؛ مسرحا و قصة قصيرة و تنشيطا لهذه الفئة العمرية التي نعتبرها دائما المشتلة الحقيقية لحفظ كرامة الوطن و الذود عن شرفه.

و بعد ذلك أقول بأن هذه السطور انفلتت طواعية و أنا أقرأ نص “أسطورة سنجابي” و هي بالضرورة لا تفي النص حقه و لا تغطي كل ما جاء فيه، كما أؤمن بأن ما رأيته في النص هو رأي شخصي قد لا يتفق ولا ينسجم مع الغير. و في كل الحالات أتمنى للأديبة الإعلامية “تركية لوصيف” مستقبلا زاهرا في العوالم السردية و الإعلامية.



د. محمد بشير بويجرة

الجزائر

قراءة نقدية في قصة (يوم تكلمت مع الباشا) للقاصة تركية لوصيف بقلم الناقد العراقي : د. بشار ابراهيم نايف

 


قراءة نقدية 

في قصة (يوم تكلمت مع الباشا) 

للقاصة 



تركية لوصيف

-------

بقلم 



 د. بشار ابراهيم نايف - العراق

------

النص:

يوم  تكلمت مع الباشا

-------------

أجلب كل مساء الشموع الملونة لزقاق مظلم، تأتيني الشمطاء العرجاء على عجل تدفع لي وتأخذ ما جلبت تدفع لي بسخاء ،هذا كثير ..

الغواني يردنك أنت ويدفعن لك لأنك تطبق فمك..

أطبقت فمي عن الثرثرة لأن الزقاق الذى يتأفف منه الجميع أجلب منه لقمتي ..

وما نفعي بالثرثرة وقد عرضت بضاعتي على الرصيف، وداستها أرجل الشرطة، سأبقي فمي مطبقا، وأردت تنويعا في مبيعاتي ولكن الشمطاء بدت لي أكثر فطنة وطلبت الشموع ..

كانت زوجتي تثرثر كلما استلقيت وأنا اتابع نشرة الأخبار، لا أرد عليها وكان سؤالها لا يتغير .

ماذا تبيع يا رجل ؟!

أبقيت فمي مطبقا حتى أفتحه متى حضر الطعام ..

مررت على الشباب وتهكموا علي، أنا لا أرتاد زقاق الرومنسية ولكن ..لم أكمل كلامي وأطبقت فمي مخافة ضياع تجارة الشموع ..

أتصور ما يحدث كل ليلة في ذلك الزقاق المظلم الذى انعدم لعمود الكهرباء عند مقتل أنيسة على يد ابنها، بقي الزقاق يعيش الظلام وكل أنواع الرذيلة، ولكن ما يفعل ذلك المسؤول هنا؟!..

شاهدني، وحذرني، من الثرثرة وأطبقت فمي ..

أنا بائع الشموع وهذا ميقاتي الذى أدخل فيه الزقاق ..

اجلبوه..

كما من رمى كيس زبالة، وجدتني داخل سيارة المسؤول وباشر التحقيق معي ..

ما هي مهمتك عدا بيع الشموع؟

هل أنت تتجسس على سولاف !!

هل تعمل لصالح الباشا

يا سيدي أنا بائع الشموع ولا علاقة لي بهذا كله ..

أدمى فمي وكسر آخر سن لي ..

ورماني خارجا..

الشمطاء تأمرني بمغادرة المكان وبعدم العودة وانا الذى اطبق فمه .فهمت ان الشمطاء من تتجسس لصالح الباشا ولكن علي ان أتكلم والآن ..

صحت في الزقاق

أريد الحديث للباشا.. بحوزتي الكثير من المعلومات ..

مثلت أمام يديه..

يا سيدى أنا ابيع الشموع في هذا الزقاق حتى تنعم انت وأمثالك بالرومنسية، اختار الشموع الحمراء الفرنسية ولكن لم اقترب يوما من مدخل البناية المهترئة واريد المساعدة

أحرس لكم غوانيكم وتدفعون لي بدل الشمطاء..

تقصد العجوز ميمونة صاحبة النزل

هل كان نزل ؟

هل ميمونة هي من اخبرت ابن نفيسة عن مكان أمه حتى قتلها بطعنة سكين ..

تسمر الباشا بمكانه وسولاف ،قد تكون في خطر ..

احرس سولاف واخبرني بكل شاردة وواردة ..

يوم تكلمت مع الباشا، صرت لا أطبق فمي وانقل له كل معلومة ،صار لي هاتف وبدلة وسيارة تقلني الى بيتي ..

----------------

التحليل النقدي

-------------------

انبنى عنوان القصة القصيرة للقاصة تركية لوصيف (يوم، تكلمت مع الباشا) بوصفه عتبة نصية على جملة ظرفية بدأتها بـ(يوم) لتعطي ايحاء بخصوصية ذلك اليوم، من خلال تقديمه على الجملة الفعلية، ولتثير انتباه القارئ إلى أهميته، فيتساءل ماذا حدث في ذلك اليوم، ومع أن العنوان يوحي بحدث حصل في زمن مضى إلا أننا نفاجأ بالقاصة لوصيف وقد استهلت قصتها بأفعال مضارعة(أجلبُ، تأتيني، تدفع، تأخذ)، وهذه الأفعال تكاد تكون ديدن القصة وميزتها، بأسلوب جميل، كانت تقصد من ورائه، أن ما سترويه لا يمثل حالة منفردة في يوم ما، وانما هو صورة متكررة حدثت في الماضي، وتحدث اليوم، وستحدث مستقبلا، وهذا ما ذكره بطل القصة(أتصور ما يحدث كل ليلة في ذلك الزقاق المظلم). وهذا الاسلوب يتناسب مع الثيمة التي طرحتها القاصة وتقوم على ثنائية(الثرثرة والصمت)، فعمله يتطلب منه كتمان ما يرى ويسمع، ولكي يحافظ على رزقه عليه ترك الثرثرة وإطباق الفم، وما نفع الثرثرة وقد عرضت بضاعته على الرصيف، وداستها أرجل الشرطة، وهو الذي لم يكمل كلامه رغم تهكم الشباب الذين مر بهم وأطبق فمه مخافة ضياع تجارة الشموع، كما كان هذا مطلب العجوز الشمطاء التي أجزلت له العطاء لقاء سكوته، وهي تقول له:(الغواني يردنك أنت ويدفعن لك لأنك تطبق فمك..)، كما كان مطلب ذلك المسؤول الذي رآه في الزقاق الذي تحدث فيه جرائم القتل، (شاهدني، وحذرني، من الثرثرة وأطبقت فمي ..) حتى في بيته، نراه يقابل ثرثرة زوجته بإغلاق فمه، ولا يفتحه الا عند الطعام، ورغم ذلك نجد الصمت لا ينفع بطل القصة، فيتعرض الى مشاكل متعددة، وكان لزاما عليه ترك الثرثرة والتزام الصمت في مواقف اخرى من الحياة، وكان عليه أن يفتح فمه ويتكلم أمام الباشا، وينقل له كل معلومة، فتغيرت حياته وصار عنده هاتف وبدلة وسيارة.

لقد عالجت القاصة حالة اجتماعية انتشرت بشكل غريب، وصارت مقبولة لدى المجتمع رغم خطورتها، لا بل أن الناس أصبحوا يهابون ويعظمون صاحبها، وتبدلت مقولة (السكوت من ذهب) وصار بدلها التذلل للمسؤول ونقل أخبار الناس الذين يسكنون منطقته، هي السائدة، فعندما أطبق البطل فمه وسكت عما كان يراه تعرض للإهانة والتهكم والقاء بضاعته(الشموع) بالشارع، ومن ثم منعه من البيع وطرده، وعندما صار ثرثارا متملقا للمسؤول وجاسوسا له تغيرت حياته وصار الكل يحترمه.

وجاء طرح الكاتبة بأسلوب تهكمي انبنى على المفارقة الساخرة، ولتعزيز ذاك الطرح نجدها تكثر من الأسئلة، التي بالرغم من أنها جاءت لتكمل متن القصة وتنويعه بجمل خبرية تارة وانشائية تارة أخرى الا أنها تنم على الامتعاض والحيرة ومثال تلك الأسئلة:

ــ وما نفعي بالثرثرة وقد عرضت بضاعتي على الرصيف، وداستها أرجل الشرطة؟

ـــ ماذا تبيع يا رجل ؟!

ــ ما هي مهمتك عدا بيع الشموع؟، هل أنت تتجسس على سولاف؟، هل تعمل لصالح الباشا؟

كما أن ثنائية الثرثرة والسكوت صاحبتها ثنائيات أخرى (شموع ــ ظلام، تأخذ ــ تعطي، أبقيت فمي مطبقا ــ حتى أفتحه، شاردة ــ واردة

لقد استخدمت القاصة تركية لوصيف اسلوب (السهل الممتنع) ولغة جميلة متسامية ومتنوعة بمفرداتها وهذا ينم عن احترافية واضحة في الكتابة

قراءة في قصة تركية لوصيف " يوم تكلمت مع الباشا" بقلم الكاتب والناقد المصري : محمد صالح رجب

 

   

قراءة في قصة تركية لوصيف " يوم تكلمت مع الباشا"

بقلم الكاتب والناقد المصري 

محمد صالح رجب

 

 الكاتبة تركية لوصيف، اشتهرت بأدب الأسطورة، ربما وجدت فيه طريقا لتمرير رسائل، ما كانت لتمر الا عبر ذلك النوع من الأدب، فكتبت على ألسنة الحيوانات كما في "أسطورة سنجابي". أما في "منتزه فرجينا" حملت مشروعا للتعايش السلمي بين أصحاب المعتقدات المختلفة وهو في ظني وبناء على ما نلمسه على أرض الواقع، يعد هو الآخر ضربا من الخيال، لاسيما في الأجل المنظور. وفي هذا النص الذي بين أيدينا، تعود بنا الكاتبة إلى عمق الواقع، لتخرج لنا ما في باطنه وتنير لنا جوانب ظلت معتمة لسنوات تحت ستر ظلام ربما.. عن قصد.

·         نص " يوم تكلمت مع الباشا"، يحكي قصة رجل سُدت في وجهه منافذ العمل الشريف فاضطر لبيع الشموع في زقاق مظلم يُمارس فيه كل أنواع الرذيلة، الأمر الذي تطلب أن يظل فَمُهٌ مطبقا، لا يثرثر ويبوح بما يرى أو يسمع ولا يفتح فَمُهٌ في أي مكان الا لتناول الطعام خشية على لقمة عيشه، لكن حين هُدد في لقمة عيشه قرر أن يثرثر وأن يتكلم مع الباشا الذي يتحكم في الزقاق سعيا للحفاظ على لقمة عيشه.

·         ان ما يميز القص الجيد ليست الحكاية في ذاتها وانما طريقة حكايتها أو التكنيك المستخدم في الحكي، لأن ذلك يؤثر على كيفية التلقي، ومدى الأثر الذي تحدثه القصة في المتلقي. الحكاية واحدة لكن طريقة توصيلها الى المتلقي تختلف من راو الى اخر ويختلف معها درجة التأثير في المتلقي.

·         أيضا ما يعنينا في القصة هو ما وراء النص، ما يعنينا هو ما يقرأ بين السطور، هو تلك الرسائل التي يشار اليها ضمنا دون ان تكتب صراحة، هو ذلك النقص الذي يتركه الكاتب عن عمد ليس فقط لمزيد من الايهام بالواقعية حيث لا شيء كامل، وانما ايضا لتحفيز القارئ لملء تلك الفراغات، مما يسمح بتعدد القراءات والتأويلات بتعدد خيال وثقافات القراء.

·         عنوان النص كان لافتا ويطرح العديد من الأسئلة من قبيل:

من هو هذا الباشا؟ ولماذا كان هذا اللقاء؟ وماذا دار فيه؟ وما نتيجته؟ وفي أي مكان كان؟ أسئلة عديدة يطرحها العنوان تدفع المتلقي للتقدم في قراءة النص.

·         ان عالم الظل او الظلام له قوانينه التي تحكمه وله حٌمَاتُه، ويَتَورطُ فيه مسؤولين، كذلك المسؤول الذي ظهر في الزقاق المظلم الذي يعيش كل أنواع الرذيلة.

·         مؤكد أن تجارة الشموع لم تكن هي المقصد بحد ذاتها وانما المقصد كل المهن المُحَدَّدَة التي تُطلب من الفقراء خدمة لرواد هذا العالم والتي لا يُسمَح لهم بتعديلها او التوسع فيها. وهنا يحسب للكاتبة استدعاء تلك التجارة بعينها واقصد "تجارة الشموع" كنموذج لتلك المهن، لأنها من ناحية لن تكون كافية الإضاءة لتكشف أغوار هذا العالم الذي يعيش كل أنواع الرذيلة، خفوت الشموع يتناسب مع قدرة البسطاء المحدودة على كشف هذا العالم، البسطاء لن يروا الا القليل بقدر من توفره هذه الشموع البسيطة من اضاءة، وقدرتهم على فضح ما يدور هناك محدودة بقدر الإضاءة التي توفرها تلك الشمعات، ولعل هذا سبب إصرار الشمطاء على اختيار الشموع ورفض أي أصناف أخرى، الأمر الذي جعل بطل القصة يصف الشمطاء بالفطنة قائلا: " اردت تنويعا في مبيعاتي ولكن الشمطاء بدت لي أكثر فطنة وطلبت الشموع".

·         الزوجة الثرثارة اللحوحة، وكذا الشباب الذين تهكموا على الرجل، ما هم الا نماذج لما تعرض له الرجل من ضغوط واستفزازات لدفعه لفتح فَمِهِ والثرثرة، ويستوقفني هنا صمود الرجل، ورَدِّهِ العبقري على محاولات زوجته المستمرة لاستنطاقه وهذا الربط بين فتح الفم والطعام حين قال: " أبقيت فمي مطبقا حتى أفتحه متى حضر الطعام".. وهو تأكيد لقناعاته بأن الفم يفتح فقط لتناول الطعام، إن فُتِح لغير ذلك فلن يجد هذا الطعام، لقد كانت له تجربة سابقة من قبل ولم تُجْدِ الثرثرة نفعا.

·         المكان:

·         وصف المكان بالمظلم يحيلنا الى تلك الأعمال المنافية والخارجة على القانون والتي عادة ما تتم في الخفاء بعيدا عن النور.

·         ايضا الكاتبة لم تحدد لنا بلدا بعينه، ليتخطى المكان بذلك الحدود الضيقة الى عالم أوسع ليشمل كل تلك الأوكار التي يمارس فيها الرذيلة والأعمال المنافية للقانون أينما كانت، فكل تلك الأوكار وحيثما وجدت ما هي الا أزقة مظلمة.

·         الاحداث سارت في خط زمني منتظم في اتجاه واحد الى الامام، معتمدا السببية، فما كان الرجل ليذهب الى هذا المكان الذي يعج بكل أنواع الرذيلة الا لأن منافذ العمل الشريف سُدت في وجه، وما كان ليطبق فمه الا حفاظا على لقمت العيش، وما اضطر للثرثرة وفتح فمه لاحقا الا حين هدد في لقمة عيشه.

·         الراوي:

·         استخدمت الكاتبة تقنية الراوي المشارك صاحب الصوت في القصة، استخدمت تقنية الراوي بضمير المتكلم، فالراوي هو البطل، هو جزء من الاحداث، يرويها بلسانه ومن زاويته ورؤيته ووجهة نظره الخاصة، ويظل الأمر مقبولا ومقنعا حتى يتورط في تناول الاحداث من وجهة نظر الشخصيات الأخرى وتفسير أفعالها. في نص " يوم تكلمت مع الباشا" لم نر هذا التورط، وكان تناول السارد للشخصيات الأخرى لا يزيد عن الاخبار مثل: تأتيني على عجل، تأخذ، تدفع، حذرني، طردتني. وهكذا. مرة واحدة تدخل حين حكم على الشمطاء بالفطنة لاختيارها الشموع كما أسلفنا، لكنه كان قد احتاط للأمر بقوله " بدت لي". فبدا الامر وجهة نظر له تحتمل الصواب والخطأ.

·         ذكرنا سابقا ان ما يهمنا هو ما وراء النص او ما يقرأ من بين السطور ولم يُشَر اليه صراحة، وفي هذا الأمر هناك عدة نقاط على النحو التالي:

·         دلالة استخدام مفردة " الباشا" بما ترسخه من سلطة ونفوذ، وكذا تواجد المسؤول في هذا المكان المظلم الموبوء بكل أنواع الرذيلة تحيلنا الى تورط شخصيات نافذة في الفساد.

·         أهمية المعلومة لدى المسؤول، لاسيما تلك التي تتعلق بتأمين مصالحه، والتي تدفعه للقاء رجل بسيط صرح ان بحوزته بعض المعلومات.

·         أيضا يُقرأ من بين السطور ما هو معلوم للعامة من أن التواجد ضمن هذه الحاشية لا يضمن لك لقمة عيش تسد رمقك فقط وانما يضمن لك الثراء فترتدي البدل وتمتلك الهواتف ويخصص لك سيارة تقلك الى منزلك.

·         يقرأ من بين السطور أيضا تقصير السلطات في توفير فرص العمل بل والتجاوز أحيانا والتضيق مما قد يدفع البعض للانحراف، وهنا اقتبس " وما نفعي بالثرثرة وقد عَرَضتُ بضاعتي على الرصيف وداستها أرجل الشرطة "

·         عنوان القصة الحقيقة طمعنا، ورفع سقف التوقعات، ظننت ان الحوار مع الباشا سيحدث شيئا كبيرا يغير المسار غير ان نتيجة اللقاء والكلام مع الباشا كان أقل مما توقعنا، حيث سار بالرجل في نفس الاتجاه، لم يكن هناك تحول بالمعنى الحقيقي، فلم يتغير مثلا مسار البطل ويعود عن العمل في الزقاق المظلم، ولم ينتفض في وجه الباشا مثلا او أي مسار مبتكر آخر، لكنه ظل في مساره المنحرف، في البدء كان يأخذ أموالا سخية كما جاء في النص:" الشمطاء تأخذ ما جلبت وتدفع لي بسخاء"، الجديد بعد مقابلة الباشا وتقديم فروض الطاعة والولاء هو بعض المنافع الإضافية.

·         بعض الأخطاء الاملائية واستخدام علامات الترقيم في غير موضوعها كما الهمزة في "سأبقى فمي مطبقا وأردت تنويعا في مبيعاتي "، وكذا علامات الترقيم في: شاهدني، وحذرني، من الثرثرة وأطبقت فمي .. وقد يكون ذلك لأن النص الذي بين أيدينا غير مطبوع ورقيا.

·         من السمات التي اظهرها النص للشخصية الرئيسية انها غير مقاومة، منذ البداية سقطت امام اول اختبار حين دهست الشرطة بضاعتها ولم تحاول من جديد انما لجأت الى العمل في الزقاق المظلم، وحين جاءتها الفرصة للتخلي عن العمل في الزقاق والبحث عن عمل في مكان شريف أصرت على مواصلة الطريق الاسهل لها وذهبت تعرض ولاءها للباشا للاستمرار في العمل في الزقاق.

·         النص اجمالا استمرار لنهج " تركية لوصيف " المميز بقدرتها على اشراك المتلقي وتحفيزه على استنباط ما بين السطور من رسائل.

محمد صالح رجب كاتب مصري

مشاركات مميزة

تغريدة من قصيدة ( القرود في الطريق ) للشاعر متولي بصل مصر

  تغريدة من قصيدة ( القرود في الطريق ) للشاعر متولي بصل مصر أهذي كلابٌ أمْ جرادٌ منتشرْ أمْ عسكر متنكِّرون من التترْ ؟ لا تع...

المشاركات الأكثر مشاهدة