Translate

عزيز عيني .. للكاتبة المصرية / عايدة ناشد باسيلي

 


عزيز عيني ..

تعلقت عينها بطبق الفول النابت الذي وضعه حارس العقار جانبا وانتفض يحمل عنها أغراضها.. مضى الرجل أمامها متحاملا على جسدة الضعيف. لم تلتفت إلى الوهن الذي دب في عروقه عبر السنين. ولكن طبق الفول النابت أعاد إلى ذاكرتها استقباله لها لأول مرة. منذ أكثر من عشرين عاما.
عشرون عاما أكلت من جسد الحارس العجوز وابدلته شبحا ضعيفا يختلف عن الرجل القوي الذي استقبلها لأول مرة وطلب منها أن تمسح نعليها جيدا قبل دخول العمارة وقبل دخول شقة البيه. أبدى يومها امتعاضه من هيئتها الفقيرة التي لا تتناسب مع سكان العمارة من أثرياء الطبقة الراقية.. ولدت ونشأت في حارة شعبية، يعمل والدها نقاشا يقوم بدهان حوائط البيوت باليومية وبأجر بسيط ، غالبا ما كان يتعطل عن العمل ويمكث في البيت بسبب نوبات الربو التي تشتد عليه في أوقات كثيرة ، أما والدتها ففي صباح كل يوم ثلاثاء ، تحمل فوق رأسها طشتا مملوءا بالفول النابت الذى تقوم بإعداده لتذهب إلى موضعها المعتاد في السوق لتسترزق من بيعه ، وبحلول ساعة الغروب تعاود الرجوع لمنزلها ، وقد بقي في الطشت أقل من نصف كمية الفول التي خرجت بها، ليصبح بعد ذلك طعاما للأسرة لعدة أيام .
حصولها على دبلوم التمريض كان يوم عيد في البيت وكذلك في الحارة كلها ، ونظرا لتفوقها وحصولها على تقدير ممتاز ، حصلت على العمل سريعًا في إحدى المستشفيات الخاصة الكبرى ، وهناك أظهرت إتقانها فنيات التمريض وبالأخص ضرب حقن الوريد.
راتبها في بداية عملها كان لا يسمح لها بشراء ملابس مناسبة. الزي الذي تسلمته من المستشفى كان يكفي لظهورها بالمظهر اللائق داخلها.. كانت تدخل مسرعة لتبدل ملابسها قبل أن يلحظها زملاؤها والأطباء. وتنصرف مسرعة فور انتهاء عملها..
لم يكن قد مر شهر على عملها بالمستشفى حين طلبها الطبيب المعالج لأحد كبار السن الأثرياء ، الذي جاء به إلى المستشفى سائقه الخاص ، مصابا بنوبة قلبية . قائلا لها : يا"سميرة " عليك الذهاب كل يومين وذلك من صباح الغد إلى منزل الأستاذ " عزيز" لتعطيه حقنة في الوريد ، والمداومة على ذلك ، حتى إشعار آخر مني.
دخلت الشقة الفاخرة ودخل الحارس العجوز ليضع الأغراض في المطبخ.. وقف تحت لوحة زيتية مقلدة. نظر إليها وإلى اللوحة، تُراه يذكر أنها حلت محل صورة الثري العجوز ، أمازال يشعر بعد كل تلك السنين بالدهشة من وصية الثري التي أعلنها محاميه بعد وفاته. أفعاله تؤكد أنه نسي أو تناسى.. أما هي فكيف لها أن ألا تتذكر كل مامضى وهي تراه ينظر إليها بخبث وهو ينتفض ويقف لها كلما رآها قائلا : منورة يا دكتورة .
عايدة ناشد باسيلي
مصر

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركات مميزة

قدْرَ العربْ للشاعر : متولي بصل - مصر

  قدْرَ العربْ متولي بصل مصر *** غدا يعرفُ الناسُ قدْرَ العربْ وأنَّ العروبةَ   مثل الذهبْ وأنَّ البلاءَ على قدْرِها عظيمٌ و...

المشاركات الأكثر مشاهدة