Translate

حبلُ المشنقةِ قصة قصيرة للكاتبة العراقية / ظلال الموسوي

 حبلُ المشنقةِ

مضيتُ حياتي وأنا أقطنُ وحيدا في غرفةٍ حالكةٍ الظلامِ.. بينَ جدرانها الأربعةِ ، يأتي لزيارتي ضيفَ يومينِ في الأسبوعِ عندَ الصباحِ الباكرِ، يمكثَ ساعةَ أوْ أكثرَ بقليلٍ..
الآنُ أتسمعُ وقعَ أقدام تسيرُ في الممرِ، فتحُ جناحاهُ البابَ ثمَ الإنارةُ ، دخلَ رجلاً يتوسطُ اثنينِ منْ رجالِ الشرطةِ ، عندما شاهدني صاحَ بذهولٍ أنا بريءٌ، أيقنتُ أنهُ هوَ المدانُ ، حيثُ البقيةُ اعتدتْ على رؤيتهمْ بينَ الفينةِ والفينةِ، كلٌ منْ الضابطِ وطبيبِ الطبِ العدليِ ، ممثلُ الادعاءِ العامِ ورجلِ الدينِ .
الذينَ بدتْ وجوههمْ متجهمةٌ، علا صراخهُ.. أنا مظلومٌ لمْ أقتلهُ..
قلتُ لهُ:- أصمتْ!
الكلَ يدعي البراءةَ، بعدٌ دقائقَ تصبحُ منْ العدمِ ، مهنتي هنا أميزُ بينُ البريءِ والمجرمِ ، لا أظلمَ أحدِ، بلْ كنتُ رحيما بكمْ، أتألمُ منْ أجلكمْ .
لكنَ بعضَ الأحيانِ تتغلبُ على القسوةِ.. تقدمٌ اتجاهيٌ " عشماوي"، الذي اسمهُ يثيرُ الفزعُ والاشمئزازُ .. هوَ بدينِ ومتوسطِ القامةِ، مفتول العضلاتِ، ذا شاربٍ غليظٍ، عابس الوجهِ، يحملَ الرعبُ في نفسِ كلٍ منْ يشاهدهُ ، ذو نظراتٍ حادةٍ ، خشن الصوتِ ، قاسيا وعصبيً المزاجِ ، يتصفَ بالعنفِ . . . آخذ يطوي بي كطيِ السجلِ ، لتكويري على شكلِ حلقةٍ ، لفنيٍ حولَ كفهِ الغليظَ ، ثمَ ربطَ بدايتي بالنهايةِ على شكلِ لفائفَ ، حتى أكونَ أكثر تماسكا عندَ عمليةِ الإعدامِ.
بعدٌ تلاوةِ ملخصٍ سريعٍ للقضيةِ . . . منْ قبلُ المندوبِ للقضاةِ ، تحركُ "عشماوي" بخطى بطيئةٍ نحوَ فريستهِ ، أصعدُ المتهمُ إلى سلمِ المقصلةِ، استطاعَ الصعودٌ بساقيهِ المرتعشتينِ ، وقفا وجها لوجهٍ أمامي ، ألقى علي التحيةَ ، أخذا يتضرعُ لي بأنَ لا يشعرُ بالألمِ..
الحزنُ كانَ يعصرُ قلبهُ ، بنفسِ الوقتِ يقطعني عليهِ كالمنشارِ !
همستْ إليهِ: اطمأنَ حبلي حبلَ الودِ، أقبلُ فلا تخفُ سوفَ تشعرُ بالراحةِ الأبديةِ، منْ هذا العالمِ المليءِ بالصراعاتِ والأقنعةِ الكاذبةِ.. أثناءَ ذلكَ رددَ الشيخُ ملقني المتهم الشهادةِ ، وفورَ انتهائهِ منها..
سألهُ على آخرَ طلبَ لهُ؟
هز رأسه بالرفض.!
ثمَ تم ربطَ عنقهُ وعلق ، وضعُت القبعةِ السوداءِ لتغطيةِ وجههِ.. وكبلَ يديهِ منْ الخلفِ ، وركبتايْ ترتعدانِ ، شعرتُ بسخونةِ جسمهِ منْ شدةِ الفزعةِ ، لمستْ رقبتهُ ، ملمسها رقيقٌ ، عظامٌ رخوةٌ ، الشريانُ أستسلمُ للمصيرِ ، لكنَ نبضاتهِ بدأتْ تتسارعُ ، وقتئذٍ لمْ يجدْ أيُ فرصةٍ للصراخِ!
في غضونِ دقائقَ قليلةٍ ، سقطَ قتيلٌ متكومٌ رأسا على عقبٍ؛ بسببِ شعورهِ بالخوفِ والندمِ الشديدِ بالذنبِ.!
مهمتي ثلاثةَ أشخاصِ متهمينَ بعدَ ذلكَ اتركْ الدورَ إلى زميلي الآخرَ.
أقبلَ المتهمُ الثاني فإذا بها امرأةً ، كنتَ بشوقَ لإعدامها!
لسماعِ قرارِ الحكمِ عليها، حيثُ سمعتْ الضابطَ يذكرُ نوعُ التهمةِ؟
- قامتْ بقتلِ زوجها بدمٍ باردٍ وقطعتهِ إربا.. إربا.. بكلِ شراسةٌ! تمَ ربطُ كفيها والأقدامُ .. أخذتْ تقضمُ بأسنانها الحادةِ ، قرضتْ مني بعضَ الشعيراتِ ، قبضتْ عليها كالوحشِ الكاسرِ ، اختنقتْ.. لونٌ وجهها أصبحَ مائلاً إلى الأزرقِ ، تألمتْ.. قامَ جسدها الرشيقُ يترنحُ متراقصا ، فيما تترددُ أقدامها في التوقفِ عنْ الاهتزازِ ، رقبتها نفصلهُ عنْ جسدها.. دمها غرقَ المكانِ ، فسقطتْ في بئرٍ عميقةٍ.. وسكتتْ أنفاسها في لحظات.!
ثمَ مرَ على جثتها عشيقها وشاهدها ولمْ يبالِ .
كانوا يمرونَ بأصعبِ اللحظاتِ ، ترتعدَ أوصالهمْ ، ترتجفَ قلوبهمْ ، يخرونَ لي ساجدينَ عندما يقفونَ أمامي ، ولا أحدا منهمْ يشهرُ سلاحهُ ويقاتلنيَ ، كنتَ المبارزَ الوحيدَ بينهمْ ، همْ بلا جدوى فلا حيلةً وقوةً ، يسيرونَ إلى الموتِ في استسلامٍ تامٍ .
هناكَ سمعتْ جرجرةُ أقدامٍ في الردهةِ بذهولٍ ، الحارسانِ يجرجرانِ المتهمُ الثالثُ ، كانَ يتنفسُ في ضيقٍ كأنهُ جوادٌ متعبٌ ، ما كادَ يصلُ البابُ أخذا يتخبطُ بينَ الحارسينِ ، بكى حتى غلبهُ البكاءُ وعلا نشيجهُ وصراخهُ:- أنا بريءٌ لمْ أقتلْ صديقي.. إني مظلومٌ..
قامَ النائبُ العامُ يتلو الحكمُ بسرعةٍ ، وسألهُ: - هلْ لديكَ أقوالٌ تريدُ إضافتها؟سألهُ الشيخُ : - هلْ تريدُ أنْ تبرأَ ذمتكَ منْ أيِ ذنبِ فعلتهِ في السابقِ؟!
رفعُ رأسهِ ببطءٍ ..وهوَ يسبحُ في بركةٍ منْ العرقِ ، همستْ في أذنهِ: - القاتلَ يقتلُ ولوْ بعدَ حينٍ!.
استرقَ السمعُ وتذكرَ كيفَ قتلَ عمهُ قبلَ قرابةِ عشرِ سنواتٍ وسرقَ خزنتهِ ، وذهبَ دمهُ أدراجُ الرياحِ ، بعدٌ برهةٍ منْ الزمنِ تمَ القبضُ على الزوجةِ التي اتهمتْ بقتلِ زوجها ظلما، حكمَ عليها وهيَ بريئةٌ.. براءةُ الذئبِ منْ دمِ يوسفْ.
أما المجرمُ الحقيقيُ الآنِ ينالُ القصاصُ العادلُ، فجأةُ إذْ دارتْ عيناهُ نحوَ السماءِ ، وقدْ زادَ ارتعاشةً منْ الخوفِ.. أشارَ لي الجلادُ بيدهِ ودونِ ترددَ أنْ أنفذَ.. طوقتْ حولَ عنقهِ بقوةٍ ، عندما سحبوا ، منْ سوءِ حظهِ انفجرتْ عينهُ ، لسانهُ خرجَ يتدلى منْ فمهِ ، وحينُ هوى منْ المنصةِ ؛ انكسرتْ لديهِ الفقراتُ والنخاعُ الشوكيُ ، خلال دقيقتينِ غادرتْ روحهُ الجسدُ.!
انتهى تنفيذُ الأحكامِ ، انطفى الضوءُ ، خرجَ الجميعَ وغلقِ بابِ الغرفةِ،
ساد الصَّمْتُ وبقيتْ أَتدَلى شمالا ويمينًا.
ظلال الموسوي
العراق

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركات مميزة

قدْرَ العربْ للشاعر : متولي بصل - مصر

  قدْرَ العربْ متولي بصل مصر *** غدا يعرفُ الناسُ قدْرَ العربْ وأنَّ العروبةَ   مثل الذهبْ وأنَّ البلاءَ على قدْرِها عظيمٌ و...

المشاركات الأكثر مشاهدة