Translate

نسل إبليس قصة قصيرة للكاتب المصري / صابر قدح

 


نسل إبليس

قصة قصيرة
صابرقدح
جمهورية مصر العربية
كنت وما زلت الترس الدائر في ماكينة أبى وأمى كنت أجوب الأرض بحثا عن سعادتهم. أختي التي تصغرني وفّقت لتجهيزها وزواجها وتستقر في بيتها ثم أخى الأصغر في مرحلة التعليم الجامعي فعلت كل ماأحظى به على رضا أبى وأمى في قضاء حوائجهم وفقنى ربى باصطحابهم إلى بيته الحرام حيث مناسك الحج فعلت من أجلهما كل ما يرضيهما عني وبالفعل أحسست أن الله معي في كل خطوة وحظوة رَبا رزقي ويزيد كلما أثرت أن أرضيهما ..كل أجازة أنزلها الى مصر تطالبني أمى بالزواج وانا أرفض حتى اطمأننت على أختى وعلى أخى بنوال شهادته الجامعية فقالت لي أمى لم يعد لك حجة يجب أن تتزوج قلت لها نعم يجب أن أتزوج الآن اطمئنت عليكما
بحثت قليلا فلم أجد أفضل من جارتنا التي تذكر وأبيها وأمها بالخير أبلغت أمى بها فكادت تطير فرحا حيث أن البنت لا غبار عليها بل تتميز بدماثه الخلق واللي نعرفه أحسن من اللي ما نعرفوش ذهبت أمى إلى أمها وكذلك أبى وأنا الى أبيها وكانوا في منتهى السعادة حيث بادروا بالموافقة من أول من مقابلةوكنت ألمح في عيني مخطوبتى علامات الحزن وعدم لهفتها علي فسألتها.. قالت لا يوجد شيء
سألتها أنت لا تريدينني قالت كيف لا أريدك فأنت تتميز بالسمعة الطيبة وكل الصفات الجميلة فيك ولا يعيبك أى شىء توكلت على الله وحزمت حقائب السفر على موعد إتمام الزفاف بعد عام كنت أحمل هم أخى الذى يقبع بالبيت يبحث عن عمل ولم يجد قررت حين يكرمنى المولى عز وجل بأن أعطيه ليفتتح مشروعا يسيّر حياته
استمرت مخطوبتى خلال العام لا تتلهف علي لا تسمعني الكلمة الجميلة التي تسعد قلب الحبيب أو الخطيب كنت دائما ما أسألها ما الذي يعكر صفوك ويجعلك حزينة دائما تقول لا شيء بُعدك عني هو الذي يفعل بى ذلك. حتى نزلت إلى مصر وأتممت زواجي بعد ثلاثة أيام من عودتى حيث أن شقتى كانت كاملة وجاهزة حاولت أن أسعدها فوق قدر الإمكان حيث رتبت أوراقى أن أسافر ثم أرسل لتكون برفقتي في سفري فانا لا أطيق البعاد عن زوجتي ولا أريد أن تبعد عني سارعت في إسعادها وكان كل همي . كنا نفطر بالخارج ونتعشى بالخارج حتى لا أرهقها وأحضر لها الوجبات الجاهزة لتكون دائما بجانبي خلال أجازتي حتى يجمعنا الله في مستقر عملي
أغدقت عليها وهى حبة القلب ورفيقة الدرب
ماكان يؤرقنى سوى إنكسارهاوعدم تلهفها علىّ
هل تزوجتينى مجبرة كنت أتركها بعض الوقت مع الموبايل لإلا أثقل عليها
بقيت أيام قليلة على سفرى و كنت أقوم ببعض الأعمال على الموبايل الخاص بي وأثناء ذلك انسكب فنجان القهوة حماقة عليه فأفسده لم أستطع إكمال عملي وحيث أن عروستي كانت نائمة أخذت الموبايل خاصتها حتى أتمم هذا العمل ففوجئت بالمتصفح في وجهي ورسائل متتالية لم أكن يوما من محبى رؤية هاتف زوجتى فلقد تربيت على الثقة واحترام خصوصية الأخر وكانت الصاعقة رسائل غرامية
إباحية.. رجعت إلى الرسائل السابقة وجدت الحوار كأنه بين رجل وزوجته ومايدل على أنه
التقى بها وطارحها الغرام أثناء إحضارى لبعض لوازم البيت. واتفاقهما على العيش سويا بلا عائق فقدكان يحبها وتحبه لولا عدم مقدرته على
تكاليف الزواج بها
مادت بيا الأرض واصّعْدت إلى السماء وضاقت نفسى بما رحبت ولعنت اليوم الذى ولدتُ فيه
فكيف لى بتحمل هذا الجبل الذى سقط على صدرى .كيف أواجهها ؟هل أقتلها وأمثّل بها كما مثّلت بشرفى وبشقاء غربتى تمنيت لو ابتلعتنى الأرض قبل أن أرى مارأيت وماالذى فعلته ليجنيا علىّ بأقسى وأقصى جريمة
أظلم الكون فى عينى وأرعدت السماء واكتسى الطريق بالوحل إلتصقت قدماى بالطريق وغاصت فلم أعد أستطيع حراكا أريد أن أمزقهما وكيف والذى سطا على شرفى للأسف كان ابن أمى وأبى
صابر قدح

تَذكرةُ ترام.. للكاتب / د. إبراهيم مصري النهر



 تَذكرةُ ترام..

كثيرًا ما تُطاردهُ الذّكريات، أيّامٌ كان فيها طالبًا بكليّة الطبّ... أثناء ذهابه إلى كليّته في الصّباح الباكر وإيّابه منها في آخر النّهار قاصدًا بيت الطلبة كان لا يُرافق زملاءه. وإن أُضطرّ إلى ذلك يتهرّب منهم بأيَّة حجّة من حججه المُعَدة سلفًا لمثل هذي المواقف. إن لمح أحدهم بالترام صدفةً ولو من بعيدٍ يشيح بوجهه مسرعًا إلى النّاحية الأخرى محاولًا التّخفي منه، وإن كان قريبًا استأذنه بعذر ونزل في أوّل محطّة..
أتعرفون لماذا كان يفعل ذلك؟!
عندما يرافقونه في الذّهاب والإيّاب في برد شتاء مدينة الإسكندرية القارس -مرتديا قميصه الوحيد- يسألونه:
ألا تشعر بالبرد؟! لماذا لا تلبس معطفا؟!
يا لك من إنسانٍ غريب!!.
يتضاحكون ويضربون كفّا بكفّ. يجاريهم بدوره في الضحك، لكنّه ضحك بطعم البكاء، يتحجّج بأنّه ليس بردان، وعندما يختلي بنفسه تهطل دموعه ألما من جرح كلماتهم الساخرة، الغائر في أعماقه.. سبب آخر يجعله لا يريد أن يركب معهم الترام، لم يكن معه عشرة قروش ثمن التذكرة، ويخشى أن يكشف المحصّل خدعته فيهينه أمامهم..
عندما كان يسأله الرّجل عن التذكرة يجيبه بكلّ ثقة:
ـ اشتراك.
يمدّ يده إلى جيب بنطاله الخلفيّ، وهو يضع مئزره الأبيض على كتفه ليحبك الدور.. ومن شدّة ثقته بنفسه؛ تنطلي الخدعة على المحصلّ، ويتخطاه إلى راكب آخر.
يضطرّ إلى ذلك غالبا أثناء الذّهاب إلى الكليّة ليلحق بالمحاضرات، أمّا العودة فغالبا ما تكون مشيًا على الأقدام من الأزاريطة بمحطّة الرّمل إلى عزبة سعد بسموحة، مسافة تلتهم قرابة السّاعة من المشي الجادّ.
كان يستعير الكتب من زملائه ويصوّر منها على قدر ما معه من نقود، وينقل ما يستطيع أن ينقله بخط يده، ويا حبّذا لو وجد من يعيره بعضها ممّن يسبقونه بعام أو عامين.
في بيت الطلبة يقضي زملاؤه اللّيل في المذاكرة والسّمر، ويقضي هو معظم لياليه في محاولة لجمع بعض النّقود عن طريق حقيبة معلّقة بكتفه بها خليط من: لعب الأطفال، وأقلام التظليل، والميدالياّت، والآلات الحاسبة، وقلَّامات الأظافر؛ لبيعها للمارّة في الشّارع بعد إقناعهم بها بما أوتي من لباقة وقدرة عجيبة على الإقناع.
كان يتزوّد بالبضاعة من صديقه الطّالب بكليّة الحقوق على أن يسدّد له رأس المال ويتقاسمان الرّبح..
يجوبان معًا شوارع المدينة من المرسي أبو العباس إلى المنشيّة، ومن محطّة مصر إلى كرموز سيرا على الأقدام -مسافة طويلة تستغرق من الوقت السّاعات- وهما يعرضان البضاعة على أطباق من الثّناء والمديح، يحضّان النّاس على الشّراء بقولهما:
ـ (اللّي ما يشتري يتفرّج، الفرجة ببلاش)...
يغنّيان وهما عائدان بعد أن يتقاسما الغنائم:
(ع الحلوة والمرّة مش كنّا متعاهدين،...)، ويضحكان من القلب برغم الألم والتعب.
أثناء زيارته الشّهريّة لأهله بالقرية يرى أباه بأسماله البالية، ويديه المشقّقتين من أثر العمل بالحقل، ليوفّر بالكاد عشرات الجنيهات يعطيها له. يحزّ ذلك المشهد في نفسه حزّا أليما.. ينحني ليقبل يدي والده، ويأخذ الجنيهات منه جبرًا بخاطره ثمّ يدسّها في الخفاء في يد أمّه لتدّخرها مصروفا لإخوته... ينزوي يفكّر كيف سيتدبّر ما يحتاجه؟.. الامتحانات على الأبواب، وهو في أشدّ الحاجة إلى كل دقيقة من وقته في هذه الفترة لتحصيل الدّروس، لكنّه سرعان ما يبتسم حتى يخفي همومه عن أعين والديه، متذكّرا أنّ لها ربّا سيدبّرها.
عندما ينتوي الرّحيل يسأله أبوه إن كان ينقصه شيء؛ يتظاهر بأنّه لا ينقصه سوى رضاؤه عنه، فيغمره بالدّعاء له ويغدق عليه بالثّناء..
يغادرُ القرية وقد زادته هيئة أبيه المجهدة همّة وإصرارًا، واستماتةً على حفر طريقه في صخر المعوقات بفأس العزيمة والتحدّي، تلك المشاهد التي لا تُنسى جعلته يتّخذ من الصّعاب لبنات لبناء صرحه العظيم، ومن المعوقات حطبًا للأتون الذي أنضج حاضره المشرِّف..
أنهى دراسته بكليّة الطبّ بتفوّق، وأصبح طبيبا ناجحا كلّ النجاح، يُشار إليه بالبنان، ويفخر به والداه، وما زال يصعد بمستقبله في سلّم النجاح كنجم ساطع في السّماء.
كلّما تذكّر تلك السّنين العجاف يبتسم، متسائلا إن كان سدّد بالكشف على المرضى بالمجّان في مستشفيات الحكومة ثمن تذكرة الترام أم ما زال بعدُ مَدينًا.
الردّ يأتيه عبر وشوشات النّفس للنّفس:
ـ ما زلت أيّها الابن البارّ مَدينًا لأهلك ولشعبك بالفضل إلى آخر العمر.
د. إبراهيم مصري النهر
قد تكون صورة ‏‏‏شخص واحد‏، و‏ابتسام‏‏ و‏نظارة‏‏

نجع الخير للكاتب / طلعت مصطفى العواد مصر -دمياط - مدينة السرو


 

نجع الخير

يغوص القطار فى سراديب الليل ، على بقايا المقعد الخشبى تكورت نفيسة غائرة الوجنتين ، ندوف شعر بيضاء تنفلت من قبضة قماطها تداعبها رياح متربة ، يرافقها ضخب اصطكاك حديدى ، طلقات أصوات الباعة تنطلق هنا وهناك:
(ساقعة مثلجة -لب حلاوة ) تتراص الأجساد متلاصقة .شىء جاثم على الصدور .إنها الدرجة الثالثة ، فجأة دلف من الباب أريج عطر لشخصية شماء سامقة الطول ، تنفست العربة الصعداء .حاول الجميع رشف شهيق طويل لينعم بالرائحة حتى ينفك صيق الصدور ، حدقوا إليه باستغراب وتساءلوا إنه من أهل الدرجة الأولى ، ماذا أتى به هنا ؟لابد أنه أخطأ الصعود ، ظفرت عين الرجل على بضع سنتيمترات فارغة جانب نفيسة ، جاهد حتى جلس ، عين المرأة مسحت ثياب الرجل حتى أفتر ثغرها عن ابتسامة خافتة قائلة :تذكرتك أولى أم ثالثة ؟
أردف قائلا : حكايتى إسمعيها ثم احكمى على هل أنا من أهل الأولى أم الثالثة ؟
أنا من أكبر تجار مصر الآن ، و السبب الأستاذ عوض الله ، كنت أشقى أهل الأرض (حرامى )ذات يوم تسلقت الماسورة ، سرسبت جسدى من الشباك ، أبصرت نفسى أمام أمل كنت أرومه ، دجاحةشهية ، هممت لأطفىء لوعتى .أثناء إلتهامى تذكرت أهل البيت وهم جياع وأن دموع الجوع ستحرقهم مثلى ، فتركت لهم نصف الدجاجة رفقا بهم ، باطمئنان أكلت ثم نقبت عن شىء ثمين ، قاطعته نفيسة :أكيد حظيت بكنز كبير.
قال: هتكت أستار البيت لم أعثر على المال .وجدت مجلدات وأشياء تستر الأجساد ، يبدوا أن رب البيت موظف يعيش براتبه ، وأتا ناهض بالخروج أكفهر الطقس ، مد الظلام جحافله ، أصوات صمت رهيب و إذ بالأستاذ عوض الله أمامى ،
وقفت مسلوب الإرادة ، تذكرت شرنقة السجن والزج فيه لا محالة ، رمقنى الأستاذ بنظرة سحقتنى ، تراخى كل ما فى قلت بيأس : لا تضرب .
قال : ماذا فعلت بنا ؟
قلت : أكلت نصف الدجاجة. قال : والنصف الآخر !
قلت : تركته لكم رفقا. قال : أتيت من أجل لطعام
قلت : والمال
قال: وما دفعك إلى طريق النهب والجزع
قلت : لوعة أطفال جوعى ، دغدغة برد الحرمان ، قسوة قلب ثرى .
قال: ألا تعرف عقاب السارق عند الخالق ؟
قلت: ماذا تفعل لو كنت نظيرى ؟
قال: سأرشدك إلى درب مستقيم على أن تعطنى موثقا أن تفر من سكتك هذه إلى درب الصالحين .
نفضت الخوف الجاثم على صدرى وقلت : أعاهدك
فوهبنى الرجل نصف راتبه قائلا :إذهب إلى السوق وتاجر.
مرقت من جانبى رياح سموم أذابت أقفال قلبى ،.فانبرى الكون ضاحكا . .وانداحت غيوم السماء إلى طير خضرة ، والأرض المكفهرة إلى أريج مبثوث , وسياط القلوب إلى لحن عذوب ماأحلى الحياة !
طفقت وأنا أمضى تنساب قدماى بسرعة ، وطئت القاهرة .فتشت عن عمل .وجدت تاجرا للغلال .افترشت رصيفا مجاورا و بنقود الأستاذ كانت تجارتى بائعا للحبوب بلسان محبوب .
توافد الناس علّى ، ربحت وامتلكت محلا نمت تجارتى ، صرت أكبر تاجرا رصيدى بالمليار.
لكن شيئا ما يثقل كاهلى ، أود رؤيته ، سأنقب الأرض عنه.
امتلك نفيسة صمت الشجون ، لوعة الرجل شرخت الهدوء قالت له : عما تسأل ؟
الأستاذ عوض لله مدير المدرسة من نجع الخير .
هرع الرجل قائلا : أغيثينى أين أجده ؟
ربتت المرأة بحنو على كتف الرجل قائلة أ نا فى الطريق إليه إنه نزيل معهد الكبد ، فترسه الفيروس ، وصار كعود ممصوص ، ولا أمل فى الخلاص سوى كبد سليم.
فى لهفة مرتجفة أبرز هاتفا .الباشا معك .كم يحتاج الأستاذ عوض الله ؟ نصف مليون ، يصرف فورا ، أنا فى الطريق إليك ما يلزم يتم من تحاليل أشعة زرع وخلافه.
بهتت نفيسة .شط بها الخيال زفرت زفرة كم عانى الأستاذ !
فى ورقة تحاليل واحدة من دمياط إلى المنصثورة دفع فيها مرتب عام ، لا أصدق ما جذبه سمعى .
قال: الرجل هيا إلى المعهد .
اضطراب وهدوء حذر يعم المكان .سعادة الباشا وصل أفسحواالمكان .
اطمأن لكل شىء لكن الكبد غير متوفر .قال : خذوا منى نصف كبدى
على سريرين متقابلين .إفاقة متفاوتة للأستاذ عوض الله أردفتها إفاقة الرجل
قال : الأستاذ عوض الله من ؟
قال الرجل : تلميذك آكل شطر دجاجتك
قال الأستاذ ما أتى بك هنا ؟
قال الرجل : أعطيتك نصف كبدى وأنت أعطيتنى الحياة بحق
قال الأستاذ له : أنت أستاذ الحياة
أردفت نفيسة قائلة : أنت من أهل الدرجة الأولى
قال الرجل : وأستاذى من أهل القمة
طلعت مصطفى العواد
مصر -دمياط -مدينة السرو
قد تكون صورة ‏‏شخص واحد‏ و‏ابتسام‏‏

(سقوط الأوثان) قصة قصيرة للكاتب التونسي / عبدالكريم الجماعي



 قصة قصيرة

بعنوان:
(سقوط الأوثان)
..........................
(كدأبه في ذلك الصباح الباكر من أيام الصيف...كان يرعى أغنامه عند سفح الجبل القريب..يراقبها بحرص شديد وهي تتّبع بقايا الكلأ المتناثر قبل العودة الى المنزل عند اشتداد الظهيرة ..يهش عليها بعصاه كلما حاولت احداها الابتعاد عن القطيع.. أو يرميها بحجر حين تهم أخرى بالاقتراب من حقل الزيتون..تماما كما أوصاه جده..كان يقضي وقته كله يدندن بأغان يحفظها أو يسترجع طرائف ما وقع في الأيام الماضية مع أترابه..لكنه اليوم بالذات شعر بتوتر غريب لم يعهده من قبل..جعله مشوش التفكير..مهموم الخاطر..راغبا و بشدة في العودة باكرا..فقد بقيت عالقة في ذهنه مهمة كان يعتزم القيام بها سرا..منذ مساء الأمس.. حين مرّ صدفة رفقة أصحابه باحدى الخرائب عند مرتفع غير بعيد..فقرر في نفسه أمرا..ربما يكون له وقع خطير..لكنّه صمم على فعله مهما كلفه من خسائر..!!
قفل راجعا يسوق شويهاته أمامه..يحثها حتى تسرع خطوها..كانت تتلكأ أو هكذا خُيّل إليه..أصبح ينهرها و يلوح في الهواء بعصاه و يدفع بيديه من تتأخر منها عن مسايرة البقية..أمسى الوصول الى الزريبة غاية في حد ذاتها..بسبب أن الماشية كانت قد حصلت على كفايتها من الرعي فأضحت تسير الهوينى..غير آبهة برغبة صاحبها في الوصول بأسرع ما يمكن..تنفس الصعداء حين صار على مشارف الديار..حتى أنه نسي أن أغنامه كعادتها ستسبقه جريا علها تظفر بما أعدّ لها من شعير أو بقايا خبز يابس.. وُضع أمام الزريبة قبل ان تَدخلها لتنعم بالظل وهي تجتر كل ما التهمته في ذلك الصباح..أحكم اغلاق المنفذ ببرميل قديم..ثم وضع فوقه بعض الأغصان اليابسة الغليظة..دلف الى المطبخ..كأنه لص..يريد أن يتناول ما يسد رمقه..و يغادر قبل أن يراه أحد..وفي نفسه تصميم غريب على انهاء ما شغل تفكيره...
اتجه بحذر مفرط الى تلك الهضبة التي مر بها بالامس..فقد رأى فيها بناءً غريبا لا يزيد ارتفاعه عن المتر..شيد على شكل دائري بأحجار مختلفة الاحجام وضعت فوق بعضها في غير تناغم..مساحته لا تتجاوز مساحة القن الذي تضع فيه جدته دجاجاتها الستة..!!
وصل الى هدفه المقصود دون عناء..التفت حوله..خشية أن تراه العيون المتطفلة..اطمئن حين تأكد من خلو المكان..فلا بشر يتجول في تلك الارجاء..اقترب من الخرابة ببطء..دار حولها..وجد بها فتحة صغيرة من جهة الشرق..جلس على ركبتيه و ألقى نظرة الى الداخل..مد يده محاذرا أن يصادف احدى الحيات..كانت توجد ثلاث أواني فخارية ..مُلأت احداها بالماء..والثانية فيها بعض القطع النقدية الصفراء من فئات مختلفة..أما الأخيرة فبها بقايا ما يشبه الشحم الذائب..بحث حولها..عثر على علب صغيرة متناثرة من أعواد الثقاب بجانبها كيس به شموع قليلة..وقف مجددا..جال ببصره في الشعاب المحيطة..لم يكن خائفا رغم انه لم يتجاوز الثانية عشرة من عمره..غير أن فكرة تحطيم ذلك الشيء والعبث بمحتوياته كانت تراوده بشدة..
فقد سمع من رفاقه حين مروا بذلك المكان بالأمس..أنّ هذه الخرابة تسمى " المعمورة" و توجد مثيلاتها بكثرة في أغلب الهضاب في ذلك الريف..تقوم بتشييدها بعض العجائز اللاتي تحرصن على اشعال شمعة كل ليلة جمعة من كل أسبوع..كما يضع العابرون قطعا نقدية على سبيل الصدقة..أما الماء فهو شراب للجان الذي يملك المكان..فهي بالتالي بمثابة تعويذة تحمي القاطنين هناك من السحر و العين و غيرها..
كان رغم صغر سنه يمقت تلك الخرافات و لا يطيقها رغم تحذير الصبية له بأن كل من سولت له نفسه سرقة النقود الموضوعة هناك او حتى مجرد ازالة بعض الحجارة..فهو بالتاكيد ستصيبه لعنة آثمة أو مرض خبيث أو مس من الجنون..لن يقدر بعدها على الشفاء..!
تراجع قليلا كان مترددا وهو يتخيل تلك الاشباح التي ستأتيه في الظلام و تعاقبه..و فجأة استجمع كل رباطة جأشه وانهمك في ازالة تلك الحجارة بهدوء حتى لا يحدث ضجيجا من شأنه أن يفضح أمره.. ثم وضع المال والكبريت الذي وجده في جيبه...غادر بسرعة بعد أن ترك تلك المعمورة قاعا صفصفا..و قلبه يرقص فرحا و سرورا غامرين..لأنه استطاع هدم أحد تلك الاوثان..لكنّه كان غرّا صغيرا..و لا يدري أن الوثن الاعظم هو ما ترسخ في الأذهان وصدّقه الإنسان..!!)
.............................
بقلم: عبدالكريم الجماعي/تونس.
قد تكون صورة ‏‏شخص واحد‏ و‏ابتسام‏‏

موت الحياة قصة قصيرة للكاتبة السورية / روزيت عفيف حدّاد



 موت الحياة

انتابتهم جميعاً نوبة بكاء مرير، التمّ الجيران وجاء الأهل مهرولين إثر اتّصال من أحد المقرّبين، يبكون ويواسون، يتساءلون ويسألون: لماذا؟ بعد عدّة ساعات خرج الجميع مثلما دخلوا، لا وداع ولا استقبال. أغلقت النّوافذ والباب بالقفل، هذه الليلة ستنام وأطفالها والقهر، وليالٍ أخرى قد تكون طويلة وأشدّ قهراً. شخصيتها المتماسكة والواثقة، قوّة أعصابها وشعورها بالمسؤوليّة الكبيرة التي ستحملها وحيدة، شدّ من إزرها، حياتهم المشتركة الجميلة وحبّهما كانت دافعاً قويّا للمحافظة عليها.
طلع نهار جديد وهي ما زالت في القديم، بكاء وزعل وخوف... لم تذهب إلى عملها، كذلك الأطفال بقوا في البيت، جمعتهم كما لو كانوا كباراً، شرحت لهم الوضع الجديد وجهلها بالقادم، لكنّها أضافت: سنعيش كعادتنا، كأنّه بيننا. شهق الأولاد، لم يغب عن بالهم منظر الكلبشات حول يديْ أبيهم القويّة، التي كانت ترفعهم معاً إلى الأعالي، كيف منعه الشّرطي من مساعدة طفلته وتقبيل جرحها وتضميده، إثر وقوعها وهي تركض خلفه باكية وتناديه.
استمرّت حياتهم على هذا الأساس، كرسيّ الأب ما زال في مكانه، تشغله بدلة أنيقة، أدوات الطّعام أمامه، يجلسون حول الطّاولة، يحكون ما جرى معهم في المدرسة، يطرحون مشاكلهم، تترك لهم الأم فرصة للتّفكير، يتناقش الجميع حول الموضوع المطروح، كلّ يبدي رأيه، رغم صغر سنّهم، فهم ما زالوا في المرحلة الابتدائيّة، ثم تقول لهم: بابا رأيه هكذا، أنا أعرف تماماً كيف يناقش هذه الفكرة، أو، سنؤجل الرّأي الأخير حتّى زيارتي القادمة إلى بابا.
طالت فترة الاعتقال، كانت تزوره دائماً في الموعد المحدّد، لكنّ هذا الموعد لم يتوافق مع دوام الأطفال في مدارسهم، لذلك كانت زياراتهم شهريّة، تضطر إلى تغييبهم عن المدرسة وتقوم هي بتعويض الدروس المفقودة. أصبح الأولاد في مراحل متقدمة لا تستطيع فيها القيام بدور المدرّس أو إحضار مدرّس خصوصي، ولأنّها تريدهم مجتهدين من أجل تأمين مستقبلهم ويفرح أبوهم بهم، ولأنّ دخلها محدود إضافة لبعض الأعمال البسيطة التي تتقنها، أصبحت زياراتهم متباعدة، لكنّ رسائلهم إليه متواصلة، أمانة غالية في يد أمّهم.
كانت حياتها صعبة ومرهقة، هي الأم والأب، يجب أن تكون قويّة، لكن ما إن تختلي بنفسها حتّى تختلي بضعفها، تسيل دموعها وتخلع ثوب القوّة التي تتظاهر بها، تشكو همومها وتفضفض إلى صورته ووسادتهما لتزيح حملاً ثقيلاً من نهارها، تتأمل صورتهما معاً، يده تطوّق كتفيها، تشعر بالحنان والحبّ، تمدّ يدها لتمسك يده، تغمض عينيها لتراه جيّداً وتغيب في حناياه، تصحو دامعة من حلم اليقظة وبحزن تسقط يدها خالية الوفاض. من عينيه تستمدّ سنداً لليوم التّالي.
وصل أكبر الأولاد إلى سنة التّخرج من الجامعة، ووصلت معه المفاجأة السّعيدة التي انتظروها طويلاً: زيّنوا المنزل، جهّزوا أطايب الطّعام، دعوا الأهل ليستقبلوا معاّ أبيهم، أجل، اليوم، أبوهم عائد إليهم، فرحتهم كانت كبيرة جدّاً، ها هو الكرسيْ الشّاغر يمتلئ حقيقة وليس وهما.
لكن الأيّام خذلتهم، تمرّ عكس ما كانوا يعرفون ويأملون.
اختلف كثيراً عن السّابق، كما اختلف عليه الأولاد، أصبحوا في سنّ الشّباب، متفوّقين في دراستهم وأخلاقهم، نضجوا وتجاوزوا سنّ المراهقة، علّمتهم الأيّام والتّجارب الشّعور بالمسؤوليّة وأكسبتهم الوعي والاتّزان الذي تجاوز سنين حياتهم.
كما هي العادة، تتناقش العائلة في أمورها حول مائدة الطّعام، لكنّ الأب أصبح عصبيّاً، حادّ الطّباع، لا يترك للتّفاهم مطرح، يتشبّث بأفكاره، النْقاش بيزنطيّ دائماً. حاولت الأمّ كثيراً أن تكون وسيطاً عادلاً، اتّهمها بسوء تربيتها للأولاد وتضامنها غير المسؤول معهم، كانت تسعى لردم الهوّة بينهم، هي تدرك تماماً ما كابده من عذاب وبعد وبرد ووحدة.... لكنّ طباعه أصبحت صعبة، يتصلّب في أفكاره وآرائه رغم عدم صحّتها وانسجامها مع تفكيرهم، ابتعد كثيراً عن مفهومه القديم: كن صديقاً لأولادك، حتّى أنّه يمارس أفعالاّ عدوانيّة واستفزازيّة تجاه زوجته خارجة عن نطاق سيطرته.
استمرّت الحياة في توتّر يتفاقم يوميّاً.
في أحد الأيّام، انتظروه على الغداء، على العشاء، اتّصلوا بمعارفه، بأهله.... لا خبر ولا تبرير لهذا التّأخير.
صباحاً، انطلق الأولاد إلى شؤونهم، بقي الزّوجان يبحثان عن حلّ وطريقة إيجابيّة لحياتهما، درسا الموضوع من كلّ جوانبه وكان القرار الحاسم والصّعب الذي أعلنه الأب على مائدة الغداء:
- اتّفقنا على الإنفصال، سأقيم، أنا، في منزل جدّيكما، هناك، أشعر بالرّاحة لذكراهم، هو مفتوح لكم أيضاً متى رغبتم. أحبّكم كثيرا.
روزيت عفيف حدّاد
سوريا

حجا مبرورا قصة قصيرة للكاتب السوري حسان عبد القادر عفارة

 


قصة قصيرة

حجا مبرورا
يكاد القلب ينفطر حزنا،والروح تتعلق بالبيت العتيق،سريعا مرت الأيام وحان وقت الرحيل،لزمزم طعم الحياة..طعم لا يشبه طعم أي ماء في هذا الكون أجمع.
تجرني قدمي نحو الحجر فأقبله مودعا،والعطر يعانق كفي حين ألمس الكساء.
وضع الشيخ إبراهيم يده على كتفي،ثم همس بصوت شجن :الوقت أزف،والناس تنتظرنا عند الفندق لننطلق.
هززت رأسي إيجابا ثم مضينا.
جمعت أشيائي بسرعة في الحقيبة و هرعت نحو الباص حيث مكان الانطلاق.
فوجئت هناك بأصوات صياح و هرج ومرج،
فأسرعت الخطى لأتبين السبب، وإذ بالركاب ملتفين حول (أبو سمير) صاحب مكتب السفر ورئيس الفوج)وكل واحد منهم يبدي استيائه وامتعاضه مما جرى. صعد أبو سمير على أول سلم الباص ليرى الناس جميعا ثم بدأ بالخطاب: لكل شخص الحق في حمل حقيبتين و جالون ماء زمزم عشرون ليتر فقط.
صرخ أحد الركاب :وكيف ذلك ؟!لقد أخذت ثلث الباص الأخير لنفسك و رصصت البضائع خاصتك دون أن تفكر بأحد.
صاح أبو سمير:وما شأنك أنت ؟!هل أشتريت الباص أم هو ملك أمك؟!
قال ثاني :أأنت أتيت لتحج أم تتأجر ؟!
قال أبو سمير والزبد يقطر من بين شدقيه :هذه مهنتي ومصدر رزقي،مارأيك أنت تشاركني ؟!
أقسم بالله العظيم لولا أننا مازلنا هنا لكنت أسمعتك كلاما منمقا لم تسمعه من قبل.
وقبل أن ينطق غيره ..أردف أبو سومر قائلا:معكم عشر دقائق لتجهزوا أنفسكم وستنطلق ومن لم يعجبه الكلام فليركب سيارة أخرى،لقد حججتم بنصف القيمة وهناك أناس بينكم لم يدفعوا باقي القيمة
الكلام مات.
تململ الركاب في أماكنهم ثم رضخوا للأمر الواقع.
لاحت من بعيد امرأة عجوز تجر عربة وعليها ثلاثة أكياس كبيرة تحث الخطى نحونا.
صاح أبو سمير بغضب :هيا يا حاجة لقد تأخرنا والناس اختنقت في الباص،أين كنت كل هذا الوقت؟!والله ستأتيني نوبة السكر منكم يا..
وصلت العجوز بشق النفس تلهث ثم قالت بغضب:قاتلك الله ما أعجلك، هيا احمل هذه الأكياس وضعها في الباص.
قال أبو سمير:وما كل هذه الأكياس يا عجوز الهناء؟!
نظرت نحوه بشزر ثم قالت:هدايا لأحفادي..احملها وأنت ساكت ياولد.
هز رأسه مغتاظا ثم انحنى ليحمل أول كيس فوجده ثقيلا،لكنه صمت فالناس تنظر نحوه،ثم عاد ليرفع الكيس الأخر ،فما استطاع.. حاول والعرق يتفصد من جبته،لكنه عجز تماما،فصاح بالعجوز:ما هذا يا امرأة ؟!ماذا وضعت داخل الكيس هذا ؟!والله إنه أثقل من جثة!
زمت العجوز شفتيها امتعاضا ثم قالت باستهزاء :لقد حملته أنا لوحدي يا سبع الفلا.
نزل الركاب من الباص ليتابعوا المشهد هذا،
فجن جنون أبو سمير أخرج من جيبه سكينا وراح يمزق الكيس الكبير
وسرعان ما أطبق الصمت على كل الحضور،و كأن الجميع سقطوا ببئر عميق
نظر أبو سمير نحو الكيس الممزق ثم نظر في وجه العجوز قائلا بهدوء مريب :ما هذا يا حاجة ؟!ماذا ترى عيني؟!
قالت العجوز بصوت مكتوم :حاجات خاصة بي أنا
صاح أبو سمير بصوت أشبه بخوار ثور مطعون :علب مشروبات غازية فارغة ..علب ...كيف سحقتيها هكذا كيف؟!ولما تحملينها معانا يا بنت ...
صاحت العجوز :اخرس ايها الوغد ،لقد تعبت عشرة أيام كاملة في جمعها من كل صناديق القمامة في الحرم و سحقتها بمطرقة عندي كي لا تأخذ حجما ..هل تعلم يا هذا كم سعر كيلوغرام (الألومنيوم)في بلدنا
لقد جمعتها لأبيعها في البلد وأشتري بثمنها هدايا .
راح أبو سمير يشد شعره ويضرب على خديه صائحا :هل تريدينني أن أكفر قبل أن نخرج من الديار المقدسة ؟!أم أن أحرق الباص بالناس الذين فيه ؟!
راح يركل الأكياس برجليه ويزمجر حتى أغمي عليه ،والعجوز تسبه وتلعنه ،ثم حملنا الرجل والعجوز إلى الباص ،وانطلقنا على بركة الله.
حسان عبد القادر عفارة
سوريا
قد تكون صورة ‏‏‏‏شخص واحد‏، و‏لحية‏‏، و‏‏نظارة‏، و‏بدلة‏‏‏ و‏وشاح‏‏

رؤية تأويلية في رواية (شعبان في خبر كان) : للروائي متولي بصل بقلم البروفسور الدكتور / مصطفى لطيف عارف أستاذ الأدب والنقد الحديث ناقد وقاص عراقي


الكتاب ضمن سلسلة كتب تصدرها دار أمارجي الرائدة للطباعة والنشر
وذلك في إطار المبادرة التي  أطلقها الأديب والروائي الكبير م. عبدالزهرة عمارة



رؤية تأويلية  في رواية  (شعبان في خبر كان) : للروائي متولي بصل

                                                       أ.د مصطفى لطيف عارف

                                                       ناقد وقاص عراقي



   هذه محاولة في ارتياد أفق من آفاق الشعرية ، هو الأفق الذي يربط الشعرية بالسيمياء والتوصيل وفك شفرات أو إشارات النص ورموزه وطرائق تكثيفه وترميزه ، عبر اعتماد آلية التأويل وتلقي النص الأدبي للكشف عن المعنى الغائب أو معنى المعنى ـ كما يقول الجرجاني ـ وهو أفق رأينا ألا نختار معه منهجية محددة بعينها ـ كما اقترح احد النقاد [1]ـ  وإنما سنعمد إلى جمع شتات نظريته من مظان كثيرة ، تصب كلها في خانة واحدة هي محاولة الوصول إلى معنى المعنى أو المعنى الغائب للإشارات والعلامات السيميائية ، ومما لا شك فيه أن البحث في العلامة والإشارة قد ارتبط تاريخيا بمناهج ما بعد البنيوية ، ولاسيما المنهج السيميائي بمرجعياته المختلفة ومدارسه المتنوعة ، سواء أكانت أوربية مع دي سوسير أم أمريكية مع بيرس ، وهذا جعلنا أمام منهج متشعب ومتعدد الاتجاهات ، ومما زاد الأمر التباسا وتشعبا  تداخل هذا المنهج مع مناهج وتصورات واتجاهات نقدية أخرى متساوقة معه ، كالتأويلية والتوصيلية ، فضلا عن اتجاهات القراءة والتلقي ، ولأن البحث يتطلب حضور كل تلك المناهج والتصورات والاتجاهات النقدية ـ ولو بدرجات متفاوتة ـ كان لابد لنا من الأخذ منها بما يخدم قضيتنا في رواية (شعبان في خبر كان) للروائي متولي بصل , واجتناب التعمق فيها ، لأن خلاف ذلك سيفضي  إلى متاهة يصعب الخروج منها ، ولا مناص من القول هنا إن هذا الأفق النقدي قد حظي ـ الآن ـ باهتمام النقاد والباحثين العرب ، ولاسيما في جانبه النظري ، إلى درجة طغى فيها جهدهم النظري على بعض المحاولات التطبيقية المتواضعة ، ربما بسبب عدم اهتمام النقد بما تقوله النصوص الأدبية ، بل بالكيفية التي تقوله بها ، وانسجاما مع ما تتطلبه المنهجية العلمية والأكاديمية في مثل هذه المواقف ، فقد هيأت لنا افتتاحية هذه الرواية  من الخوض في ذلك الجهد الروائي الرائع   ، على أننا لا نأتي بجديد هنا غير ما يحسب لنا من إمكان الخروج بجهد نظري هو في الواقع  حوارية نظرية تسمح بتكامل المناهج الداخلية والخارجية في تفاعل وتداخل وهذه المقدمة النظرية لا تدعي التعمق في استقصاء أطرافه تلك الخلطة كافة،إنما هي وقفة أملتها الرواية ,ومثل هذه النهاية تضع الرواية أمام تساؤلات وتأويلات عديدة فيما إذا كان الأمر مقصودا للإشارة إلى حالة المتاهة التي قد يدخلها الإنسان في مجتمع غريب , ويضع أثره نهائيا , أو الإيحاء بان الحضارة تمتلك القدرة على افتراس الغرباء وتدخلهم في متاهات قاتلة ,  يمكنهم الفكاك منها [2]

إن ما يجمع النظريات النقدية الحديثة هو اعتراضها على الرأي القائل إن المعنى كامن كليا في النص وملفوظه اللساني ، فالمتلقي بفاعلية الفهم قادر على تشقيق وجوه لا نهائية لمعنى النص بإعادة بنائه وإنتاجه وتلقيه[3]، أي إن هذه الاتجاهات أو النظريات النقدية الحديثة كالقراءة والتلقي ترفض حصر المعنى بالنص وتميل إلى الاعتقاد بأن القارئ هو الخالق الحقيقي للمعنى ، ذلك لأن أبسط مفهوم للقراءة هو دمج وعينا بمجرى النص[4]، وعلينا التأكيد هنا على أن هذه النظريات النقدية الحديثة هي جهد علمي متميز ـ وليست هرطقة  كما يتصور بعض الناس [5] ـ يولي اهتماما بالمضامين وصولا للمصطلحات بإزاء ما يفرزه الزمن من تحديات جديدة ، ويمكن أن نطبق هذه النظريات على روايتنا  فنكتشف حينها شيئا جديدا لم نسمع به [6] ، ويبدو جليا أن الأساس الذي اختلفت فيه اتجاهات ما بعد البنيوية مع البنيوية ، هو المعنى وبكلمة أوضح هو التأويل أو استنباط دلالة النص ، وفي هذا الصدد نجد من الواجب الإشارة إلى أن علم التأويل ( الهيرمينوطيقا ) الذي اختلفت النظريات النقدية في فهم آليته الإجرائية ، كان مدار حديث النقاد والفلاسفة منذ آلاف السنين وهو لم يكن من بدع زماننا هذا ، منذ أرسطو والسفسطائيين مرورا بمعنى المعنى عند الجرجاني [7] ، بيد أن الذي حصل الآن هو أن ( الهيرمينوطيقا ) بوصفه دراسة معنى الروائي متولي بصل  في كلماته وتعابيره ـ كما في الفهم الكلاسيكي أو التقليدي ـ قد تحول إلى دراسة المعنى الناتج من عملية فهم المتلقي [8] بعد أن كانت البنيوية تحيله إلى مرجعيات معجمية ، ولكن الأمر يزداد تعقيدا ، ولاسيما مع النصوص التي تربك القارئ أو المتلقي ، تلك النصوص التي سميت في عصرنا الحديث                      ( الخطاب أو النص ) [9]، ففي هذا النص نلمس سهولة  في التوصل إلى دلالة واحدة محددة ، كأن ينطوي على دلالة إيحائية وأخرى تقريرية ، وعلى أية حال ، فليس كل النصوص واضحة جلية تقدم نفسها للقارئ من دون وجود مشكلة في التوصل إلى دلالتها الحقيقية ،ومن ثم لا تكلف القارئ جهدا وعناء ,أن ما يميز الروائي متولي بصل  في روايته (شعبان في خبر كان) قدرته في التأويل أن يشرك القارئ معه في التحليل  وأن يعتمد على ذكر احدث قديمة  ويشرحها أثناء كتابته للرواية وهو يحتاج  إلى قارئ  مثقف  ومتمكن من اللغة والنقد حتى يفهم الرواية , ويعني به المعنى الحرفي الموجود في النص السردي  الذي وضعه الروائي  فيه وقصده ، فهناك نصوص ( خطابات ) يحتاج فهمها إلى تأويل ، وهو ما أطلق عليه هيرش بـ            ( المغزى )[10]،وبعبارة أدق إن التأويل يعمل على الخطابات التي تحتمل دلالتين فيبرز الثانية البعيدة على وفق قرينة من جهة الأخرى[11]،وبالتأكيد أن ذلك يشمل الخطابات السردية  بوصفها أكثر أنواع الخطابات احتفاء بالرموز والإيحاء والغموض[12] ، ذلك لأن أهم وظائف الخطاب السردي هو خلق الالتباسات وجعل الوعي لاعبا يقظا وهو يقوم بتنفيذ اللغة التواصلية  [13]، فالنص الروائي لا يهدف إلى تقديم معنى محدد ، إنما يسعى إلى تقديم حالة متكاملة ذات أبعاد تصويرية نفسية جمالية ، فيجعل الجزم بمعنى واحد أمرا صعبا لا تطمئن إليه أذهان المتلقين ، فيصبح التأويل ضرورة لا مفر منها ، أي إن النصوص التي تحقق قدرا كبيرا من الانزياح عن حدود الفهم ، فقد يظن قارئ ما انه استنفد كل ما فيها من دلالات ومعان ، ويأتي آخر فينمي فيها علائق ودلالات جديدة لم يفطن إليها القارئ الأول ، ومن ثم فان التأويل حاجة تتطلبها النصوص التي تحقق قدراً معقولاً من العمق وتعاند المتلقي وتستعصي عليه دلالاتها ومقاصدها [14] ، فيفضي إلى تحفيز القارئ للمشاركة الفاعلة في تأويلها ، وعلى أية حال ، فالنقاد بوصفهم متلقين توصلوا إلى تأويلات كثيرة للخطاب ، وفي بعض الأحيان يكون التأويل أفضل من توجيه الروائي نفسه [15] ، لأن الروائي قد ينصرف إلى مقصدية أحادية تتنافى مع الوجوه الجمالية الأخرى التي يمكن أن يكتشفها الناقد ، ومن ثم تلغى تداعيات اللاشعور التي لم يكن المبدع يعيها حينما أبدع النص ، حتى قال أحد النقاد علينا أن نفهم المؤلف أفضل مما فهم هو نفسه[16] ، وفي هذا الصدد يرد قول الشاعر الفرنسي الشهير ( بول فاليري  )  لأشعاري المعنى الذي تحمل عليه  [17] ، فليس ثمة حقائق في الأدب ـ كما يقول نيتشه ـ بل  هنالك تأويلات[18]يعتمد الوصول إليها على ثقافة المتلقي وبراعته  وهذا ما نادت به نظريات ما بعد البنيوية، فالتفكيكية تعتمد في الأساس على تصورات فلسفية معينة ، وعليه يمكننا القول ، إن الفكر النقدي هو فكر فلسفي لأنه يفسر الوجود المتمثل بالنص الأدبي ، ولا تُخرج الانطباعية والذاتية النقدَ عن تلك الساحة ، لأن من الطبيعي أن يصطبغ النقد بوصفه تحليلا بصبغة ذاتية حتى يكون فنا أيضا، فالقول إن النظريات النقدية ما هي إلا صدى لنظريات فلسفية فكرية صحيح، لأن ما من تجربة نقدية أو تيار نقدي إلا وصدر عن جذر فلسفي[19]  ،ولو استقرينا كل المناهج النقدية لتبين لنا أنها تميل مع الفكر الفلسفي الطاغي في وقتها ، فكلما مال بندول الفكر الفلسفي صوب المادية والتجريب والشك ، ظهرت نظريات  نقدية متساوقة مع هذا الفهم الفلسفي ، والأمر كذلك مع المثالية واليقين الفلسفي ، وبعبارة أخرى إن تجريب لوك وشك نيتشة يتكرر بالقدر نفسه في مناهج النقد الأدبي ونظرياته، ففي بداية عصر التكنولوجيا تحرك الفكر الفلسفي صوب المعرفة اليقينية المعتمدة على الحواس وعلى المنهج العلمي التجريبي ، فظهرت البنيوية في أحضان التجريب ، وبعد أن لمس الناس الدمار الذي خلفه الاستخدام السيئ لآخر حلقة من حلقات التطور التكنولوجي ممثلة بالقنبلة النووية ، آثار ذلك الدمار إحساسا بالرعب وتأكد للناس أن العلم قد أخفق في تحقيق السعادة وجلب الآمان لهم ، فتحرك الفكر صوب الذاتية ، فارتمى في أحضان الذات الأمر الذي مهد لظهور مناهج أو نظريات نقدية ـ نظريات ما بعد البنيوية ـ تعتقد أن للذات قدرة على تحقيق السعادة والمعرفة ، إلا أن هذا الارتماء في حضن الذات لم يكن شاملا كما اعتدنا ذلك في الدورات الفكرية والفلسفية التي مرت بها الإنسانية، ذلك لأن موجة الشك الجديدة كانت أكثر شمولا وعمقا ، فقد خلفت إحساسا بالخديعة من العلم والذات معا ،حتى صار الإنسان يشك بهما معا ـ  العلم والذات ـ وبقدراتهما على إسعاده[20]  .   

 


[1] التحليل السيميائي للخطاب الشعري : 15 0

[2] الرواية العربية في دائرة التأويل : فاضل ثامر : 368 0

[3] نظرية التلقي أصول وتطبيقات  : 14 .

[4] المعنى الأدبي : 17 .

[5] : المرايا المحدبة : 22 .

[6] : التفكيكية النظرية والتطبيق : 7 .

[7] الأصول المعرفية لنظرية التلقي : 21 .

[8] : المصدر  نفسه : 20 .

[9] إشكالية التلقي والتأويل : 11

[10] ـ المعنى الأدبي : 114 .

[11] تأويلية الشعر العربي : 51 .

[12] ـ وفي هذا الصدد نصحت الشاعرة نازك الملائكة الشعراء بالا يجعلوا شعرهم سهل المنال للقراء من ناحية المعنى ، بل عليهم ان يجعلوه غامضا ، : سيكولوجية الشعر : 32 .

[13] ـ تأويلية الشعر العربي : 183 .

[14] : إشكالية التلقي والتأويل : 13 .

 

[16] إشكالية التلقي والتأويل : 16 .

[17] في مناهج الدراسات الأدبية : 68 .

[18]10 ـ ضد التأويل : 66 .

[19] الوعي الشعري : 80 0

[20] المرايا المحدبة :300 0 


 

مشاركات مميزة

تغريدة من قصيدة ( القرود في الطريق ) للشاعر متولي بصل مصر

  تغريدة من قصيدة ( القرود في الطريق ) للشاعر متولي بصل مصر أهذي كلابٌ أمْ جرادٌ منتشرْ أمْ عسكر متنكِّرون من التترْ ؟ لا تع...

المشاركات الأكثر مشاهدة