Translate

صورة للذِّكرى قصة قصيرة للكاتب الفلسطيني / عامر عودة



صورة للذِّكرى
الولد يلعب بالكرة داخلَ البيت. زجرَه والداه خوفًا من أنْ ترتطم كرته بإحدى التّحفِ الزّجاجيّة وتُحَطِّمها. وبِعنادة صبيانيّة، قرَّر أنْ يركلها ركلة أخيرة قبل أنْ يُذعن لطلبهما، فارتطمت بصورة مُؤَطَّرة معلّقة على الجدار وأوقعتها أرضًا مُحَطَّمة.
رفعَ الأب الصّورة عنِ الأرض غاضبًا. إنّها صورة والديْه المرحومَيْن. قَبَّلَ صورتهما داعيًا لهما بالرّحمة، ثمّ وضعها داخلَ إحدى الأدراج، إلى حين أنْ يشتري لها إطارًا جديدًا ويعيدها إلى مكانها. ثمّ أشعل سيجارة وخرج ليدخّنها في ساحةِ المنزل.
وَقَفَ في السّاحة ناظرًا إلى بيت والِدَيْهِ الّذي عاش فيه ثمانية وعشرين عامًا، قَبْلَ أنْ يتزوَّج وينتقل للسَّكن في بيته هذا، الّذي بناه له والداه بِتَعَبِهِما وكَدِّهما على الرّغم من أوضاعهما المادّيّةِ الصّعبة. فهو وحيدهما وأغلى ما يملكان. تَذَكَّرَ كَيف كانت أمّه تعمل بخياطةِ الملابس في منزلها، وتوفّر معظم ما تتلقّاه من نقود، من أجلِ بناء بيت جديد له. أمّا والده فقد رَسَمَت معاولُ التّعب على وجهه أخاديد. إذ كان يعود من عمله في البناء منهكًا، تُلهب سياطُ الشّمس جلده في الصّيف، وفي الشّتاء توخزه إبرُ البرد، فتتورَّم أطرافه من وخزاتها الّتي لا ترحم. وجُلَّ همَّه أنْ يوفِّر ما يكفي من مال لتعليمِ ابنه في أفضلِ الجامعات. كانَ العِلم حلمه الّذي لم يستطع تحقيقه لنفسه. لقد حُرم منه نتيجةَ الفقر، فأراد أنْ يحقّقه لابنه، فأصبح هوَ المشروعَ الأهمّ بالنّسبة له.
والداه لم يعيشا حياتهما كما يجب؛ لم يخرجا يومًا في رحلة إلى خارجِ البلاد، وفي داخلها كانت نزهاتهما قليلة. لم يَملكا يومًا سيّارة جديدة؛ لم يعتادا الذّهاب إلى المطاعم والنّوم في الفنادق إلّا نادرًا... عاشا فقط من أجله، من أجل بناء مستقبل له، حتّى تَعَلَّمَ وأصبح مهندسًا. وعندما تَزَوَّجَ أسكناه في هذا البيتِ الجديد، الّذي يعيش فيه الآن مع زوجته وأولاده.
بعد تَخَرُّجِهِ منَ الجامعة عَمِلَ مهندسًا في إحدى الشّركات، وحصل على راتب جيّد، وعندما حانتِ الفرصة لِيُعَوِّضَ والديْه عنِ الحياةِ الزّهيدة الّتي عاشاها، أخذتهما المنيَّة واحدًا تلوَ الآخر خلال أقل من سنة!
انفطر قلبه حزنًا لأنّه لم يستطع أنْ يَرُدَّ لهما الجميل قَبْلَ رحيلهما، فَعَلَّقَ صورتهما في بيته، لكي لا يغيبا يومًا عن عينيْه. وكانت بالنّسبة له أجمل ما في المنزل. وها هو حفيدهما يُسقطها أرضًا مُحَطَّمة.
مَرَّتِ الأيّام. وكُلَّما اصطدم نظرُه بالفراغِ الّذي تركتهُ الصّورة على الحائط، يلوم نفسه على أنَّه لم يُصلح إطارها بعد، لكي تعود مكانها في صدرِ البيت. فذاكرته ووقته كانا يلعبان ضِدَّ إرادته، إذ أنَّ الشّركةَ الّتي يعمل فيها، أخذت كلَّ تفكيره بعد أنْ أصبح مديرًا لمكتبِ الهندسة فيها.
...بعد عِدَّة أشهر بدأ نظره يعتاد على أنْ يرى الحائط فارغًا، وبدأت ذاكرته تترك مكانَ الصّورةِ الفارغ وتذهب إلى مكان آخر... وبقيت صورة والديْه داخلَ الدُّرج لأكثر من سنة. حتّى جاء يوم وضعتها زوجته داخل كيس منَ النّايلون، وأركنتها في إحدى الخزائنِ الّتي يحفظون فيها الصُّورَ التّذكاريّة...
عامر عودة- فلسطين

الأم مدرسة قصة قصيرة للكاتب العراقي / أركان القيسي



الأم مدرسة
طرد أمه من منزله بكل وقاحة ونسي كل ذلك الفضل...رغبة
لطلب زوجته المترفة انكسرت الأم أخذها الجيران وأجروا لها
غرفة، وأحسن الناس اليها.... يمر كل يوم من أمام بابها
يراها جالسة ترفع يديها للسماء فيظنها تدعو عليه
فيسخر منها....
مرت الأيام والأيام.... تعرض لحادث سير أقعده عن
الحركة سمعت الأم بالأمر صدمت انهارت فقدت السيطرة
خرجت مسرعة حافية تركض نحو بيته؛ لتقف عند الباب لتتفاجأ مرة أخرى بقساوة تلك الحاقدة، ترجتها ركعت بين يديها إلا أنها رفضت ، فطردتها بوقاحة ... وتمر الأيام بعد الأيام ، حتى تعبت الزوجة ملت منه أصبح عالة عليها... عندها وضعته
في سيارة وأرسلته إلى أمه المكلومة فرحت الأم على الرغم
من الجراح المؤلمة التقت العيون، عيون الأم تحكي الحنان والمحبة
والشوق وعين الابن تحكي التقصير والنكران وتأنيب الضمير
انكبت العجوز عليه تشم تقبل، أدخلته إلى غرفتها أدخلته
الحمام بعد أيام أحس بالفرق الاهتمام،العناية،النظافة
الجسم معطر بعد أن كان عفنا!!!
أمي لا أعرف كيف أكفر عن ذنوبي؟!
كيف أجازيك وأنا مقعد؟! الآن عرفت أنك كنت تدعين لي لا
علي حينما كنت أمر من أمامك يابني أ تظن الأم كالزوجة
بهذه القساوة؟! حتى أدعو عليك كنت أدعو لك بالمغفرة وأن يريك الله الحق...
الآن الحمد لله ردك الله لي وأنا سعيدة و أنت عرفتَ الحق .. أمي زوجتي كيف أعاقبها؟ لا عليك، دع الأمر لله تعالى وانتظر فالعقوبة من جنس العمل.
بقلم ... أركان القيسي... جمهورية العراق...
قد تكون صورة ‏‏شخص واحد‏ و‏بدلة‏‏

الخبز والكفن قصة قصيرة للكاتب المصري / محسن خزيم



 الخبز والكفن

__________
كنا نسابق الريح ، فقد وصلت رسالة الأن لأحدنا عبر الهاتف،
تقول نحن عند شجرة الصبا وقد
أغلقوا كل الطرائق، نريد ماء وخبز
وكفن، ثم أنقطع الأتصال،يا لها من رسالة موجعة والألم منها أشد من
ألم الحريق، سألني صديقي الذي حضرت معه تلك الندوة التي جلس
فيها الفرقاء ،يتلون أبياتا من الشعر
وبعض النساء المودرن،يمسكن بالهواتف وهن يمصمصن شفاههم،
حسرة علي قسوة العدو ،وعدم رحمته بينما فيهن من ينشد بحرية
بلادة ،والنعيم المرتقب،وهي تعرف
إن فقراء حيها ،يتسكعون في الطرقات شحاذين، بينما تبدو الصورة أمام أعيننا ضبابية ،
كان صديقاي يفكران ،كيف يكون الرد عملي علي صديقنا ،هناك في أرض المعركة،حينما صرخت قائلا : هيا بنا الأن نذهب إلي جمعية أحرار العرب، لنعرض عليهم التطوع
لإيصال المساعدات لأشقائنا في الميدان ،كان حماسنا شديد ،لكن الخذلان أشد وطأة حين رفضت
كل الجمعيات نداء تطوعنا وسفرنا،
ماذا نفعل...؟ هل نعيد بعض صور أبطال المقاومة علي هواتفنا، ونجلس علي المقاهي مكلومين، ونظرف شذرات الدمع الحزين ،
أم علينا بالدعاء مستسلمين، كنا قد أوشكنا علي الإنهيار والاستسلام ،
لولا نداء القدر، فقد دعينا إلي حفل
تابين أحدي الراقصات الشهيرات ،
كانت دعوة صادمة، إنما داعيها رجلا صادقا ،وذكي يتمتع بأفق متسع ،قال سنلتقي هناك برجل
يبحث عن متطوعين، لأرسال الاشياء إلي مدينة الصمود،
لم نكذب خبرا، فقد لبينا مسرعين
إلي ذلك اللقاء،والذي بالحق أقول،
وجدناه لبي طلبنا بالسفر إلي الأشقاء ، كانت حيلة صديقنا الذي
قابلنا في حفل التأبين إن ترتدي ملابس الصحفيين، وندخل من أحد معابرنا المغلقة، سافرنا ونحن نحمل في السيارة،ماء وخبز ،وكفن،
لم نحمل بندقية، ولا خنجرا، بل حملنا ارواحنا علي أكفانا، لنلحق بأصدقاء الطفولة التي جمعتنا،هناك
يوم كانا آباؤنا في بعثة إلي غزة،أستمر السير طويلا،الطريق صعب وشاق،والخوف ليس حليفنا ،لكن القلق يلا زمنا،
نريد الدخول لنلبي نداء أصحاب
الرسالة،حتي نصدق العهد والميثاق
وإن نكون بينهم في وقت تخلي عنهم العالم، وصلنا إلي احدي معابر
الحدود تقدمنا وسيرنا، حتي اقترب
صوت أنات الاطفال وصراخهم ، المشهد لم نراه من قبل لكنه هو بلاشك من صنع الأنسان،ألم تكن آلة
الدمار هذة من صنعه ،الصوازيخ والقنابل والطغيان ،وكذلك الخذلان والتواطأ، ما علينا هي اشياء لا تشتري، المروءة والشجاعة مثل الذهب لا يصدأن الا مع العرب ،
كنا قد وصلنا إلي نقاط نعرفها مع
عبثية المشهد،اختلطت علينا الصورة فلقد وجدنا أشجار الزيتون
ملطخة بالدماء ووجدنا كل الأديرة
تشبة العدم والفناء،كان علي قائد
السيارة الانحراف في كل الاتجاهات مع التموية ،فنحن امام عدوا لايعرف الشرف وكل وسائل
النصر لديه ممنوحة من الخيانة والعار ،رويدا رويداً وصلنا وجدنا
شجرة الصبا قد محيت،لكنا وجدنا
شيئا غريب ،لقد وجدنا الموتي اعطوا الاحياء الاكفان ووجدنا الاحياء اعطوا الموتي الماء، لقد ضحوا من اجل الارض التي احتضنت هم في عزة وشموخ ...
محسن خزيم
مصر
قد تكون صورة ‏‏شخص واحد‏ و‏إضاءة‏‏

كؤودٌ أنا وثلاثة وجوه! قصة قصيرة للكاتب المصري / أحمد بيضون

 




كؤودٌ أنا وثلاثة وجوه!

هذه المرة استيقظت كأن روحي تصعّد إلى السماء ويحلُّ محلي آخر بهندامٍ يغلب عليه سفسَطة الألوان الزاهيه؛ أتُرى—ما الشخصية التي كنتُ على إثرها تلك الليلة الفائتة؛ وهائنذا أهرع من الفراش تارةً أخرى لأغتسل وأنفض زي المُهرج الذي اعتلى وشاح جسدي بعدما تقمصت الدور على أتمّ وجه كما يتراءى لديّ، تَبِعات أحلام اليقظة التي تراودني وتغتال هدأة العتمات لأتقمَّص دور البهلوان الذي يزدهي بحيَله السحرية وأساور يديه وشعره الكستنائي ورابطة العنق المزركشة، غريب الأطوار أنا ويعلو وجنتاي أحمر الشفاة؛ من المؤكد أن هناك فتاة ليلٍ روضت ذاك المعربدِ بداخلي وانهالت بقبلات ممهورة، لا أعلم ما حدث بعدها..
الآن أقف أمام مرآتي-أنا المدعو (ساتيريك)؛ أعتقد أني سمعت تلك الضحكات الماجنة ووجهي الممتقِع من هول الصدمة، حتى اسمي مثير للتهكم والازدراء، أخذت شهقة وجحظت مقلتاي حتى أستدعي ذلك الكامن بداخلي كأني أعاني من الفصام، وجدتُ انعكاس درجٍ مفتوح بالغرفة، صورةٌ هناك ترقدُ في القاع تحدثني مصرِحة: "أنا (إيلينا) حبيبتك، لماذا قتلتني بدمٍ بارد؟!" مازلتُ أقترب من صورتها فتنبو كشبح هائل بعينين حمراوتين وأحمر قاني يعلو ثيابا بيضاء لعشيقتي الراحلة، تواتر ردي بصوت متحشرج:" لستُ أنا! لم أكُن أنا بل هوَ!"، فتجيب"كَلاَّ.. بل أنت وهو شخصٌ واحد أيها المجرم"، مازلت في ضلالي وعبثي ممسكاً صورة مثخنة بذكرياتٍ مؤلمة تشطر القلب نصفين، فجأةً—صدر مني صوتاً أجش يزأر ليرعب ذاك الشبح الغير معتاد في باكورة الصباح: "أنا بالطبع - أيتها الخائنة ؛ لقد رأيتك مع غريمي تتبادلان أفعالاً يندى لها الجبين، ما الذي تخبريه عني؟ هل كنتِ تتقربين لتحصلين على معلومات تفيد شراكتكما لإسقاطي؟! تستحقان شر الجزاء"، تدافعُ المجني عليها ” ليس كذلك! أنتَ هو الخائن من بادرت بوأد العشق بيني وبينك مع أقرب رفيقة لي، هل نسيت (جوليانا)؟ "،" لست بحاجة لأبرر أفعالي ولم أكن أبادل الحب مع ذاك الصاح بل كنت أبرم معه الشراكة محاولةً انقاذك من الإفلاس بعدما بذلت كل ما تملك في المقامرة ومقارعة الكبار دونما دراسة جدوى لمشروعك.. أيها المغرور! "،" لم أتوانى لوهلة عن مساعدتك وأنا جَدُّ صادقة بحبك الحقيقي وجذوته التي أحرقتها بنار غيرتك العمياء".
حينئذٍ-أمسكت بلطةً وغرزتها في منتصف الصورة لتنفذ في راحة يدي فتنزف بغزارة، شرعت في صراخات تومض أغلال الصمت في الصباح، وإذا بالباب يطرق وأنا أتأوَّه؛ (جوليانا) الصديقة الشمطاء لحبيبتي، آتيةً إلى مخدعي لتضميد جرحي، أنظرُ إليها كأسدٍ جريح يبصر لبؤة هي مصدر كل الشرور والمكائد: "لمَ.. لمَ تركتني أقتلها؟ تدركين أنها تعشقني ولكنك كالأفعى الرقطاء تبُخين سمك الزعاف لأتخلص منها وتخلوَ لك الأجواء". ردّت بلا هوادة: "أتحاول أن تداري جرمك القبيح لتجعلني شريكتك؟! مابالك بأنَّا قمنا بدفنها سويا!" أسهبت في وصفها لما حدث منهما وكيف استدرجتها إلى مكان مهجور إليه في دجنة الظلام ببقعة نائية ثمّ ركلها في حفرة عميقة لتلقى حتفها فيبدو الأمر أنها عثَرة في هوَّة أدى للوفاة، اقتنعت بكلامها ولكنَّ حَدْسي يُخبرني بسرٍ ونقطة مفقودة في تلك الدوامة؛ أيا ترى؟! أين ذاك الصاحب؟ لم أعد أتذكر أي شيء عنه فقد تلاشى كالهشيم تذروه الرياح، إبَّان التئام ذاك الجرح تقمصت ثياب رجل الأعمال الفذّ صاحب الإنجازات الذي تتحدث عنه أوساط المجتمع ظاهرياً ولكن في الأساس حريٌّ به أن يغلق أسواقه ويعترف بالفشل أمام الملأ بل الغباء، ذاك البُهرج الخداع لم يدم طويلاً فما لبِسَ أن جاءتني جوليانا لتخبرني أنها عرفت موطِن غريمي (شايلوك) متنكِّر بهيئة شخص آخر بعدما سلب أموالي في المضاربة وكان سببا في إفلاسي، لم أكن أعلم بما يُحاك ضدُّي من المعشوقة والداهية الآخر، أخبرَتني بأن صديقي يعرض علي أموالا طائلة مقابل الاستيلاء على أصول الشركة ومجلس إدارتها وسأكون مديراً تنفيذيا؛ إلاّ أن ذاك التدبير باء بالفشل؛ فأنا المكلوم الذي فقد حبيبته وشقَّ عليه الأمر في الارتقاء بتجارته والربح منها—وجدتُ ورقةً بحقيبة الماكرة لإيذانٍ بسندٍ ماليٍّ فَلَكي باسم غريمه إليها؛ المُقابل؟!
مازالت مراقد الأحزان تعربش بالأذهان، أتخيلها الآن تلك الضحية تتغنَّج إلى مثواها الأخير لأسلبها روحها وينعها وأطلق العنان لخضراء الدِمن لتستوطن عالمي كأني نعامةٌ ربداء بثياب البهلوان والمجرم والتاجر، أفتِّش عن كينونتي في معترك الأيام؛ لا شيء إلايَ وصورةٌ أحتفظ بها تنبش في ماضٍ تليد منقوشٌ عليها(فداك رَوحي)، ألملم الآن الدليل بأني كنت الأبلَه—هل سيكون الثَمن رَوحي ؟ أم ستكون العدالة الناجزة قد سبقتني للقصاص؛ طاوعتُ مآرب تلك اللئيمة لتستدرجني بنفس الوتيرة لعرين ذاك الخسيس، سأنتقم وقد يكون للقانون الإلهي المقام الأول، تقابلنا وكانت المواجهة معه قبيل تواجدها، أردته أن يتجرع ذات الكأس فأخبرته أنها تتلاعب به كي ندمره تدميراً حتى لو كانت روحَه هي الثمن؛ اشتاط غضباً ومكَر لها في حضورها فاستلَّ سلاحَه ليرديها قتيلة، لكنّ سماعه سرينة الشرطة ورجال المخفَر جعلاه يوجه سلاحه نحوي أنا—بهيّ الطلة لم أعد يحدجني الذَنبُ لأتماهى مع عنقاء حريتي بثيابٍ فسيفسائية الألوان في الجنان مع وئيد آخر بصيصٍ لصورتها أضُمها إلى صَدري.
أحمد بيضون - مصر

حبلُ المشنقةِ قصة قصيرة للكاتبة العراقية / ظلال الموسوي

 حبلُ المشنقةِ

مضيتُ حياتي وأنا أقطنُ وحيدا في غرفةٍ حالكةٍ الظلامِ.. بينَ جدرانها الأربعةِ ، يأتي لزيارتي ضيفَ يومينِ في الأسبوعِ عندَ الصباحِ الباكرِ، يمكثَ ساعةَ أوْ أكثرَ بقليلٍ..
الآنُ أتسمعُ وقعَ أقدام تسيرُ في الممرِ، فتحُ جناحاهُ البابَ ثمَ الإنارةُ ، دخلَ رجلاً يتوسطُ اثنينِ منْ رجالِ الشرطةِ ، عندما شاهدني صاحَ بذهولٍ أنا بريءٌ، أيقنتُ أنهُ هوَ المدانُ ، حيثُ البقيةُ اعتدتْ على رؤيتهمْ بينَ الفينةِ والفينةِ، كلٌ منْ الضابطِ وطبيبِ الطبِ العدليِ ، ممثلُ الادعاءِ العامِ ورجلِ الدينِ .
الذينَ بدتْ وجوههمْ متجهمةٌ، علا صراخهُ.. أنا مظلومٌ لمْ أقتلهُ..
قلتُ لهُ:- أصمتْ!
الكلَ يدعي البراءةَ، بعدٌ دقائقَ تصبحُ منْ العدمِ ، مهنتي هنا أميزُ بينُ البريءِ والمجرمِ ، لا أظلمَ أحدِ، بلْ كنتُ رحيما بكمْ، أتألمُ منْ أجلكمْ .
لكنَ بعضَ الأحيانِ تتغلبُ على القسوةِ.. تقدمٌ اتجاهيٌ " عشماوي"، الذي اسمهُ يثيرُ الفزعُ والاشمئزازُ .. هوَ بدينِ ومتوسطِ القامةِ، مفتول العضلاتِ، ذا شاربٍ غليظٍ، عابس الوجهِ، يحملَ الرعبُ في نفسِ كلٍ منْ يشاهدهُ ، ذو نظراتٍ حادةٍ ، خشن الصوتِ ، قاسيا وعصبيً المزاجِ ، يتصفَ بالعنفِ . . . آخذ يطوي بي كطيِ السجلِ ، لتكويري على شكلِ حلقةٍ ، لفنيٍ حولَ كفهِ الغليظَ ، ثمَ ربطَ بدايتي بالنهايةِ على شكلِ لفائفَ ، حتى أكونَ أكثر تماسكا عندَ عمليةِ الإعدامِ.
بعدٌ تلاوةِ ملخصٍ سريعٍ للقضيةِ . . . منْ قبلُ المندوبِ للقضاةِ ، تحركُ "عشماوي" بخطى بطيئةٍ نحوَ فريستهِ ، أصعدُ المتهمُ إلى سلمِ المقصلةِ، استطاعَ الصعودٌ بساقيهِ المرتعشتينِ ، وقفا وجها لوجهٍ أمامي ، ألقى علي التحيةَ ، أخذا يتضرعُ لي بأنَ لا يشعرُ بالألمِ..
الحزنُ كانَ يعصرُ قلبهُ ، بنفسِ الوقتِ يقطعني عليهِ كالمنشارِ !
همستْ إليهِ: اطمأنَ حبلي حبلَ الودِ، أقبلُ فلا تخفُ سوفَ تشعرُ بالراحةِ الأبديةِ، منْ هذا العالمِ المليءِ بالصراعاتِ والأقنعةِ الكاذبةِ.. أثناءَ ذلكَ رددَ الشيخُ ملقني المتهم الشهادةِ ، وفورَ انتهائهِ منها..
سألهُ على آخرَ طلبَ لهُ؟
هز رأسه بالرفض.!
ثمَ تم ربطَ عنقهُ وعلق ، وضعُت القبعةِ السوداءِ لتغطيةِ وجههِ.. وكبلَ يديهِ منْ الخلفِ ، وركبتايْ ترتعدانِ ، شعرتُ بسخونةِ جسمهِ منْ شدةِ الفزعةِ ، لمستْ رقبتهُ ، ملمسها رقيقٌ ، عظامٌ رخوةٌ ، الشريانُ أستسلمُ للمصيرِ ، لكنَ نبضاتهِ بدأتْ تتسارعُ ، وقتئذٍ لمْ يجدْ أيُ فرصةٍ للصراخِ!
في غضونِ دقائقَ قليلةٍ ، سقطَ قتيلٌ متكومٌ رأسا على عقبٍ؛ بسببِ شعورهِ بالخوفِ والندمِ الشديدِ بالذنبِ.!
مهمتي ثلاثةَ أشخاصِ متهمينَ بعدَ ذلكَ اتركْ الدورَ إلى زميلي الآخرَ.
أقبلَ المتهمُ الثاني فإذا بها امرأةً ، كنتَ بشوقَ لإعدامها!
لسماعِ قرارِ الحكمِ عليها، حيثُ سمعتْ الضابطَ يذكرُ نوعُ التهمةِ؟
- قامتْ بقتلِ زوجها بدمٍ باردٍ وقطعتهِ إربا.. إربا.. بكلِ شراسةٌ! تمَ ربطُ كفيها والأقدامُ .. أخذتْ تقضمُ بأسنانها الحادةِ ، قرضتْ مني بعضَ الشعيراتِ ، قبضتْ عليها كالوحشِ الكاسرِ ، اختنقتْ.. لونٌ وجهها أصبحَ مائلاً إلى الأزرقِ ، تألمتْ.. قامَ جسدها الرشيقُ يترنحُ متراقصا ، فيما تترددُ أقدامها في التوقفِ عنْ الاهتزازِ ، رقبتها نفصلهُ عنْ جسدها.. دمها غرقَ المكانِ ، فسقطتْ في بئرٍ عميقةٍ.. وسكتتْ أنفاسها في لحظات.!
ثمَ مرَ على جثتها عشيقها وشاهدها ولمْ يبالِ .
كانوا يمرونَ بأصعبِ اللحظاتِ ، ترتعدَ أوصالهمْ ، ترتجفَ قلوبهمْ ، يخرونَ لي ساجدينَ عندما يقفونَ أمامي ، ولا أحدا منهمْ يشهرُ سلاحهُ ويقاتلنيَ ، كنتَ المبارزَ الوحيدَ بينهمْ ، همْ بلا جدوى فلا حيلةً وقوةً ، يسيرونَ إلى الموتِ في استسلامٍ تامٍ .
هناكَ سمعتْ جرجرةُ أقدامٍ في الردهةِ بذهولٍ ، الحارسانِ يجرجرانِ المتهمُ الثالثُ ، كانَ يتنفسُ في ضيقٍ كأنهُ جوادٌ متعبٌ ، ما كادَ يصلُ البابُ أخذا يتخبطُ بينَ الحارسينِ ، بكى حتى غلبهُ البكاءُ وعلا نشيجهُ وصراخهُ:- أنا بريءٌ لمْ أقتلْ صديقي.. إني مظلومٌ..
قامَ النائبُ العامُ يتلو الحكمُ بسرعةٍ ، وسألهُ: - هلْ لديكَ أقوالٌ تريدُ إضافتها؟سألهُ الشيخُ : - هلْ تريدُ أنْ تبرأَ ذمتكَ منْ أيِ ذنبِ فعلتهِ في السابقِ؟!
رفعُ رأسهِ ببطءٍ ..وهوَ يسبحُ في بركةٍ منْ العرقِ ، همستْ في أذنهِ: - القاتلَ يقتلُ ولوْ بعدَ حينٍ!.
استرقَ السمعُ وتذكرَ كيفَ قتلَ عمهُ قبلَ قرابةِ عشرِ سنواتٍ وسرقَ خزنتهِ ، وذهبَ دمهُ أدراجُ الرياحِ ، بعدٌ برهةٍ منْ الزمنِ تمَ القبضُ على الزوجةِ التي اتهمتْ بقتلِ زوجها ظلما، حكمَ عليها وهيَ بريئةٌ.. براءةُ الذئبِ منْ دمِ يوسفْ.
أما المجرمُ الحقيقيُ الآنِ ينالُ القصاصُ العادلُ، فجأةُ إذْ دارتْ عيناهُ نحوَ السماءِ ، وقدْ زادَ ارتعاشةً منْ الخوفِ.. أشارَ لي الجلادُ بيدهِ ودونِ ترددَ أنْ أنفذَ.. طوقتْ حولَ عنقهِ بقوةٍ ، عندما سحبوا ، منْ سوءِ حظهِ انفجرتْ عينهُ ، لسانهُ خرجَ يتدلى منْ فمهِ ، وحينُ هوى منْ المنصةِ ؛ انكسرتْ لديهِ الفقراتُ والنخاعُ الشوكيُ ، خلال دقيقتينِ غادرتْ روحهُ الجسدُ.!
انتهى تنفيذُ الأحكامِ ، انطفى الضوءُ ، خرجَ الجميعَ وغلقِ بابِ الغرفةِ،
ساد الصَّمْتُ وبقيتْ أَتدَلى شمالا ويمينًا.
ظلال الموسوي
العراق

الخبز الحرام قصة قصيرة للكاتب السوري / سالم سلوم



 قصة قصيرة

الخبز الحرام
..من داخل ستارة حمراء اللون، تخرج فجأة حسناء مهفهفة، بجسدها البض ، زراعيها يتعانقان تارة، وينفكان تارة أخرى، كأنهما عاشقان بثوب شفيف بالكاد يغطي جسدها اللولبي المتراقص بتناغم مثير، بحمالة النهدين؛ اكتظت ببراقع شتى، على أنغام موسيقا، تهزه ببراعة يمنة ويسرة، فتنتشي القلوب وتطرب، مع كل دقة ، مع كل إيقاع دم..تك..تك.. تتمايل بخصرها وتتلوى، حرارة التصفيق، تعم أرجاء المكان ،
بأنواره المتقلبة حمراء تارة، صفراء تارة، خضراء زرقاء، بتواتر عجيب، قلوب الحاضرين، أشبه بساعة جدارية كلما أقترب العقرب الكبير من الصغير تنتفض معلنة بلوغ النشوة، حين تلتمع أعينهم المتعطشة لجسد يميل ويتراقص كثعبان أليف، حين تستعر النيران في وجوههم، تبدأ التحايا وحرق الأوراق النقدية على رأسها ومن حولها، من كل حدب وصوب،
تتالى التهاني والتحايا، ابتسامة صاحب الملهى أكبر دليل على رضاه، فتلك الراقصة المعروفة و التي كانت السبب في إظهار هذه التحفة الجديدة ، بعد ألمٍ، ألمّ بها فجأة، وخوفا من أن يغلق المكان، ويذهب الرواد إلى مكان آخر ، جزت بها عوضا عنها، بعد أن كانت مرافقة لها وخادمة مطيعة لسنوات خلت، إذ كانت تجمع النقود من تحت قدميها العارتين، من على المنصة ذاتها، تلك النقود المتساقطة من أيادي الساهرين على رأسها..
هي الآن مكانها""
تراقبها بصمت من داخل الستارة..وعيناها تقولان: أين كان كل هذا السحر.؟!
أين كانت تخفي كل هذا التميز ؟
جيب صاحب الملهى سوف يكتظ هذه الليلة ويعتمر..
وهو الشاكي الوحيد أيضا من قلة الدخل والمردود.
كان ينعتني بتقدم العمر "" دنيا..
تقول في نفسها سيدتها.
أصوات التصفيق تقطع شرودها.
حتى الرواد كانوا أناس لا تبدو عليهم علامات الثراء،
هذا الذي جاء هاربا من واقع أسري مقيت
وذاك الذي جاء صدفة، إذ كانت المرة الأولى له يدخل هذا المعترك، والذي سأل نفسه. أين كنت أنا؟
الناس في واد وأنا في واد.
حتى أولئك المعتادون على السهر والانبساط والمجون والذين لا يدرون من أين تأتيهم الفلوس، أو ذلك التاجر الذي اجتمع مع لفيف من أقرانه بعد أن ربح مالا كثيرا في صفقة مشبوهة، وآخرون أيضا ، لايخلو المكان من بعض اللصوص الذين لم يتعبوا في صرف ماجمعوه وما جنته أيديهم من حرام بحرام، ""وو ..
حينما يغادر الجميع المكان، لا أحد يتذكر شيئا.. قد دخلوا إليه بحال وخرجوا بحال، منهم من يصيح، ومنهم من يتقيأ، ومنهم ما زال قادرا على الحركة دونما تركيز، فالخمر قد فعل فعله في أبدانهم المتهالكة صباحا.
تعود متأخرة كل صباح ، كعادتها، تجمع ما تستطيع جمعه من فتات الآخرين، فهناك أفواه تنتظر قدومها بفارغ الصبر، حين تقدم لهم ما تحمله في أكياسها تقرأ في أعينهم ما تمني النفس بلقياه،إذ ترتسم على وجوههم علامات الحبور، تخلد لنوم عميق.
لا مكان للأحلام في حياتها، همهما الوحيد أن ترى أخوتها أصلب عودا، وقد اشتدت سواعدهم وشقوا طريقهم لترتاح ، أجل مسؤولية كبيرة على عاتقها ثلاثة أطفال في عمر الورود،
ولا معين إلا الله، حين غاب الأقرباء وتركوهم للهباء، تحجرت الدموع في عينيها، قالت : مخاطبة أخوتها لنا الله.
فكرت كثيرا..احتارت وتاهت في دروب الحياة المضنية، وكانت تسأل دوما نفسها..
ماهذا القدر ؟.. كيف لي أن أتحمل مشقة تربية أخوتي..من أين لي بتحمل مسؤولية جليلة وأنا لم أتجاوز السابعة عشر بعد.
ماذا سأفعل بعد رحيل أبي وأمي إلى الأبد،
في حادث مأساوي فعلت الأقدار فعلها.
تقرأ شريط ماض جميل..
كيف كانت حياتهم بوجود السند والعزوة،
نبع الحنان وفيضه من أم كان همها الوحيد تنشأة أولادها على الخُلقِ الحَسن.
ها هو.. والدها يعود مساء حاملا جميع الحاجيات اليومية بفرح وسرور يقدم كل ما كان يحمله، بعد يوم شاق من العمل.
يمر شريط الماضي، كسحابة صيفية لكنها ماطرة هذه المرة، إذ تنهمر دموعها على خديها الحمروان..وتغص في جوفها آلاف الكلمات والمعاني والعبرات،
حين تتأمل تلك التركة الثقيلة على كاهلها، ثلاثة أخوة لم يبلغا سن الرشد بعد ، بحاجة الى كل شيء، والأهم من ذلك كله ما قد فُقد، لكن ما باليد حيلة، هذه مشيئة الله،
تتالى الأيام بما فيها من منغصات يومية، في حياتها، هذا الذي يريدها بغير شرع، وهذا الذي ينتظر افتراسها كذئب، وهذا الذي يتحرش بها..وو..
ولايخفى أيضا ألسنة أهل الحي الذي تقطنه، والتنمر الحاصل من بعض المتحذلقين، والنسوة الممتعضين، وحتى شيخه، الذي قذفته يوما بلسان سليط، بعدما قذفها هو الآخر ببعض العبارات، فما كان منها إلا أن جعلته عبرة لغيره من المنافقين، حينما فضحت حقيقته وفجرت قنبلة دوت وتطايرت شظى بوجهه عندما حاول لأ كثر من مرة أن يتخطى حدود اللباقة بخبث ملمحا لغض بصره عنها وقطع ألسنة العباد بعقعد عرفي، حينما حاول أن يختلي بها عنوة، رفضها له كان إعصارا زلزل كيانه، تلك المتناقضات والمتاهات التي تمخر عباب حياتها، كانت كابوس يجثم على صدرها، معاناة بكل مكان، حاولت الفرار من واقعها المخزي والأليم، فكرت ذات مرة، أن تتزوج حين تقدم شاب إليها، كانت راغبة حقيقة به لكن .. وجود أخوتها والأمانة التي فرضت عليها.. ألات على نفسها أن تبقى فوق رؤوسهم..
في أحد الصباحات. وبينما كانت في الشارع مع ورودها ...
تنادي عليها سيدة :
تبدو عليها علامات الثراء، تلك السيدة كانت طاقة الفرج، بالنسبة لها..
تأخذ كل مافي حوزتها من زهور تدفع لها ضعف الثمن، علامات الفرح والحبور المرتسمة على وجهها وهي تحمل ما لذ وطاب مهرولة إلى أخوتها المنتظرين عودتها بفارغ الصبر،بعد فترة ليست ببعيدة أصبحت المرافقة والخادمة الوفية لتلك السيدة، اذ تعلمت على يديها كل شئ، تعلمت فنها وتعلمت كيف تجابه الواقع وتعلمت أيضا أن الأقدار كفيلة بتغيير كل شيء.
مر شريط الذكريات سريعا، وهي تتأمل أخوتها ذات صباح، بانتظارها بوجوه عابسة ممتعضة، بسكاكينهم المشحوذة حينها"" سقطت من بين يديها أرغفة الخبز على الأرض، وعينيها تقطر دما.
تمت وبالخير عمت ..انتهت...........
..سالم سلوم / سورية

امتحان الدم للكاتب المغربي / أبوالقاسم محمود


 

امتحان الدم
وجدتني أنتزع المعطف من على ظهر المانيكان، تلمست ثوبه، يتقاذفني شعور بالرضا وآخر بالغيرة!
البرد يتجول بين جسدي وثيابي الصيفية مخلفا قشعريرة تبدت كحبيبات صغيرة طفت فوق مسامي ..
أحسست بالدفء وأنا أداعبه..
في غمرة نشوتي سمعت طقطقة حذاء شخص يعدو فلم أهتم خوفا من إهدار لحظة رائعة، فتحت أزراره الأمامية لأقيسه على كتفي، امتدت يدان بلا رحمة لتقتحم سعادتي، واحدة انتزعت مني الحلم والأخرى دفعتني بشدة على الرصيف..
خدش في وجهي ينزف، كلي جروح بماذا يضر هذا الجرح؟!
المارة يعبرون بجانبي دون أن يهتموا، فكرت لوهلة في رد مظلمتي بأكثر منها لكن صوتا كان في داخلي ظل يمنعني..
امتدت لوجنتي يد خشنة مسحت دمي المنساب، ربت على كتفي ومضى مرددا " ما بقات خاوة " !
كنت أنوي زيارة والدي في قبره، خشيت أن يراني أرتجف أنا الذي وعدته بأن أبقى وفيا لرباطة جأشه، تعودت زيارته كل أسبوع كما وصاني ذات مرة، كان المكان متنفسي الوحيد، أقصده كلما أحسست بالضيق، أحكي له لواعجي فأتخيله ينصت !
صحيح أني لم أحضر لحظة موته بسبب مهمة أرسلني إليها، لكني اهتديت لرمسه عبر شاهد القبر ..
في كل مرة أجد عند القبر تحت حجرة صغيرة مبلغا ماليا ..
كلما تذكرت والدتي استحالت عيني شلالا وتمنيت أن أهتدي لذلك التراب الذي احتضن جسدها، وافاها الوباء الذي حل بقريتنا فواروها الثرى في مقابر جماعية ولم يسمح لنا بالحضور أو معرفة المكان، دعواتي أبعثها لها كل يوم ومن المؤكد أنها تصلها فالدعوات لا تتعثر وليس لها جوازات سفر..
في الوقت الذي طردني صاحب البيت من المنزل الذي اكتراه أبي فتح الجيران أبوابهم لاحتضاني، لكني لم أعد أطيق رؤية ذلك البيت، جدرانه تذكرني بدفء لم يعد متاحا وبوابته بدت لي أن كل من يدخلها يترصده الموت المفاجئ ..
كان والدي دائما ما يحدثني عن الموت، يحسب له الحساب، يسائلنا دوما، هل ستذكروني حين أفارقكم ؟
تنعقد ألسننا لمجرد سماع هذا السؤال، كان كثير الغياب لدرجة أن جل صراعاته مع أمي بسبب السفر، حتى أنها كانت تتهمه بالزواج من امرأة أخرى..
تأخرت اليوم عن موعد الزيارة، وحتى لا تنكشف جروحي فيتألم قررت أن أشتري لثاما التحفته ومضيت، حين وصلت رأيت رجلا تشبه ملامحه ذلك الشخص الذي أسعفني قبل قليل، انسان بسيط، أشعث كث اللحية محلوق الشارب، خمنت أنه حارس لم أنتبه لوجوده في سالف الزيارات..
قمت بالذي أتيت من أجله، وضعت المبلغ في جيب سترتي، لم تفارق مخيلتي صورة ذلك الشاب الذي دفعني، الشعور بالإحتقار دفعني لتخمينات شتى اخترت أيسرها،
سأشتري ذلك المعطف، رغم أنه مستعمل لكني أرى في امتلاكه جزءا من كرامتي المهدورة..
وقفت بالمحل أمام غايتي، وفجأة أسرع ذلك الشاب نحوي..
- عدت ثانية ! ماذا تريد ؟
- كم سعر هذا ؟ أردت لمسه فمنعني عبر القبض على معصمي.
- أجاهل أنت ؟ ألا تقرأ العبارة المكتوبة ( ليس للبيع) ؟
- لم أنتبه ..
- هذا معطف والدي رحمه الله، ما يؤلمني هو أني لم أشهد موته، كنت خارج الوطن في مهمة تجارية، وخوفا على رد فعلي لم يخبرني أحد من الأقارب الذين يدركون تعلقي الشديد به..
- أعتذر منك لجهلي..
- لا عليك، سامحني لم أكن لطيفا معك..
لم أشأ أن أعقب وقد غلبتني دموعي، عذرته دون تفكير وأنا أعيد شريط الذكريات ..
في اليوم الموالي عدت للمقبرة، قمت بطقوسي المعتادة، لم يكن تحت الحجرة سوى ورقة بيضاء، فتحتها على عجل:
إذهب إلى أخيك، أريد أن أراك في معطفي، فأنت الأولى به!
بين الحياة والموت شعرة، وأنا حي أرزق، بشر أخاك الأكبر .. اختبرت فيكما الجانب الإنساني، ذلك المبلغ الذي كنت تعثر عليه رزقك وهو مال أبيك ساقه الله إليك على يد أخيك الذي كان يزورني ليلا، لم أشعر بالوحدة يوما..
سامحني، كنت أمام خيارين إما أن أضيق الدنيا عليك أو على أخيك فاخترتك، وقد كنت صبورا كريما رحيما، وكنت أكبر حتى من المسؤولية التي ألقيتها عليك رغم صغر سنك! تأكدت اليوم أن أحاسيس الوالد لا تخطئ.. رحم الله أمهاتكما اللتان كانتا تشعرانني بالحياة، أنا ميت مذ رحلتا لكني اخترت البقاء من أجلكما ..
نفذ ماقلت لك..
تبللت الورقة بين يدي وأنا أتهجى حروفها، أحدق في وجه الحارس، وأتذكر عبارته " ما بقات خاوة " ..
بدا الرجل نادما وهو يردد على مسامعي مخففا من صدمتي: لقد كان قلبي ينفطر لدى رؤيتك، كم مرة قررت أن أبوح بالسر فيثنيني العهد الذي قطعته.
 أبوالقاسم محمود
المغرب

القطعة الذهبية للكاتب المصري / محمد إيهاب الأزهري مصر

 


القطعة الذهبية

جلستُ على المقعد الحجري في محطة المعمورة البلد أنتظر قطار "أبو قير". كنت شاردا أعدد نعم الله عليَّ, إذ أقضي كل صيف أمام شاطئ البحر هاربا من قيظ أسوان الذي لا يُطاق في أشهر الصيف, وأُمَنّي نفسي بقضاء وقت ممتع مع وجبة السمك المشوي هذه التي أحرص عليها كل سبت, موعد السوق الأسبوعي في المعمورة البلد.
لفت انتباهي شيء ما. ولكن انجرافي خلف فكرتي ظل يزيح هذا الخاطر بعيدا. حتى إذا ما انقطع حبل أفكاري انتبهت فجأة على نظافة محطة المعمورة اللافت. سرعان ما تبينتُ أنه الخاطر الذي كان يعاودني. ركزّتُ بصري الذي بدأ ينتابه الوهن, فوجدت عامل النظافة يكنس ما بين القضبان يكاد يفلّي تراب الأرض فلا يترك به حتى عقب سيجارة.
لقد جلّت النظافة جمال لون التراب الداكن. وبدت المحطة في ثوب أنيق ما بين الرصيف والقضبان. وأضفَت النسمة الباردة الآتية من البحر القريب مسحة شاعرية على الجلسة فوددت ألا يأتي قطار "أبو قير" الآن.
رمقتُ لفة السمك إلى جانبي ثم جُلتُ ببصري على ركاب الرصيف المقابل. ثم انتابتني بعض أضغاث الفكر لأنتبه مجددا على عامل النظافة وقد أصبح بمحاذاتي يعمل بجد وإتقان. ولفت انتباهي تركيزه الشديد في التقاط الكُناسات وكأنه طبيب يجري عملية جراحية.
استعرضتُ رصيف المحطة من أوله لآخره. لا يقل طوله عن مائتي 200 مترٍ. يا لها من مسافة طويلة أظنه لن ينهيَها. كان رجلا خمسينيا تبدو على وجهه تقاسيم الرضا يرتدي زي شركة النظافة الأزرق. سبحان الله... أعرف أن رواتبهم ضئيلة. فمن أين جاء هذا الرجل بهذه العزيمة وأنّى له هذا الاستمتاع؟. ثم خطر ببالي أن عسى أن يكون ذلك خوفا من الملاحظ الذي يمر خلسةً على المحطات, ويحرر مخالفات للمقصرين... ربما.
وفجأة ترك عامل النظافة مكنسته واقترب من ركاب الرصيف المقابل رافعا صوته: "حد ضاع منه حاجة يا حضرات؟ حاجة ذهب". وأخذ يكرر إعلانه راجعا إلى حيث بدأ الكنس.
قد لا تكون صاحبة القطعة الذهبية المفقودة من ضمن هؤلاء الركاب. صدح الظهر بالآذان بينما بدا قطاري داخلا المحطة. كنت أتشوق لمعرفة مصير القطعة الذهبية الضائعة. ولكن كان عليَّ أن أدرك صلاة الظهر في "أبو قير" لأكمل جدول أعمالي لليوم.
زيارةٌ ضروريةٌ لطبيب الأسنان هي آخر ما بجدول أعمالي من مهام. بعد صلاة العشاء بحوالي ساعة ونصف كنت قد وصلت إلى عيادة الدكتورة. قالوا هي الأفضل في ما بين المندرة و "أبو قير". كانت عيادة صغيرة وأنيقة. وكنت السادس في الدور من بين المرضى. وبينما انشغلتُ بترتيب ما سأقوله للدكتورة كي تعطيَني مستندات معتمدة أتمكن بها من صرف قيمة العلاج من مصلحتي الحكومية, إذ لفت انتباهي شيء ما. شردت قليلا في ما يتعلق بالكلفة العالية لإصلاح الأسنان التالفة. انقطعت أفكاري بسرعة لأطوف ببصري عبر المرضى في العيادة. نعم إنه هو, ذات الوجه...عامل النظافة الذي رأيته في الصباح من ضمن المنتظرين يرتدي قميصا بكمٍّ طويل وبنطلونا يبدوان فضفاضين على جسده النحيل. ما شاء الله.. يبدو أن لديه القدرة المادية على علاج أسنانه في العياداتٍ الخاصة.
الحقُّ أنّ ما قيل عن براعة الدكتورة كان في محله, فقد قمتُ راضيا عن الجلسة.
ضغطت الدكتورةُ زر الجرس إيذانا بدخول المريض التالي بينما جلستْ إلى مكتبها تكتبُ لي روشتة العلاج. حدثتُ نفسي: "يارب تكون روشتة رخيصة". كانت تنطق أسماء الأدوية ثم تشرح دواعي استعمالها والجرعة ومواعيدها في نبرة حانية فخمة. أخذتُ روشتتي وهممتُ بالانصراف بينما فُتِحَ الباب ودخل عامل النظافة. تنحيتُ جانبا موسعا له الطريق بينما قامت الدكتورة لاستقباله قائلة في نبرة حانية شفوقة: أهلا بابا... تعال.
محمد إيهاب الأزهري
مصر

مشاركات مميزة

تغريدة من قصيدة ( القرود في الطريق ) للشاعر متولي بصل مصر

  تغريدة من قصيدة ( القرود في الطريق ) للشاعر متولي بصل مصر أهذي كلابٌ أمْ جرادٌ منتشرْ أمْ عسكر متنكِّرون من التترْ ؟ لا تع...

المشاركات الأكثر مشاهدة